×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

قاضي الجبلين الشيخ الجليل حمود بن حسين الشغدلي

نتدارس ذكريات القضاة الذين عملوا بالقضاء ، وظلوا على ولاء للمهنة يستلهمون قيمه ، ويستعينون بالتجارب والخبرة ، ويوقظون سمعته واستقلاله ويوظفون مهاراتهم ، وحين تعاد على مسامعنا نعتبرها هي الاخرى اداء عن معتقدات وتصرفات وسلوك .. وهكذا توافرت لنا في اعمالهم نصوص جيدة ومتميزة ، قادرة على الاقناع ان لم تكن مقنعة ساعية ، الى الابانة ، ان لم تكن متمكنة منها ، سامية الى الابد ، وليس من شك في ان مدارسة مثل هذه المواقف المتماسكة صعوبة كبيرة لكي نتناولها بجدية يكفل اكبر قدر من النجاح في الوصول الى كثير من النتائج او الاستنتاجات على اقل تقدير ، كما ان التناول الجاد لمثل هذه السيرة كفيل بان يضيء كثير من مناطق الصراع الاجتماعي في الفترة التي تناولها ، وكفيل بان يجعل رؤيتنا لآراء حكام وولاة امر تلك الفترة اكثر وضوحا وربما اكثر اشعاعا ، وربما اكثر نفاذا .. ما احوجنا ونحن نروي التاريخ الصادق والسيرة الحميدة عن شيخ الجبلين الجليل / حمود الحسين .. ان نذكر الحقيقة ، والامر الميسور في التعريف بهذا القاضي العظيم الوافر الشعور بعظمته .. ان خلائقه كانت بارزة جدا لا يسترها حجاب ، فما من خصم الا استطاع ان يعلم ان قاضيه عادلا ورحيما وفطنا ووثيق الايمان ، عظيم الاستعداد للنخوة الدينية ، ذكاء غالب وذهن وقاد ويقظة حاضرة للخصوم وسوانح متناصره ومتسع في العلم والثقافة ، وصفاته كلها صفات لها طابع البطولة ، والترفع عن الدنايا ، وفيها دواعي الاغراء بالاعجاب ، فلا مبالغة فقد سوى بين الناس فبلغ بذلك مبلغ الشجاعة والبطولة والعلم والفهم والاستقلال فلا يخاف الا من قاضي السماء .. وتلك صفات نادرة .. وذلك كاف في تعظيم قدره لا حاجة بعده لمزيد ، ابرز مقومات شخصيته سرعة البادرة وحِدّة الذكاء والهمة الطامحة الوثابة والتحرر مما يسمونه " الروتين الحكومي " وحين يبدو له رأي يرى في الاخذ به تحقيقا لمصلحة عامة .. ولم يستنكف ان يحيط نفسه باهل الذكر الثقاة المتخصصين في مختلف العلوم والهيئات والشخصيات الثقه يستمد معونتهم ويستنير برأيهم ويعمل بمشورتهم التي تتفق مع التشريع وهي مقدرة فائقة وحزم في تصريف الامور .. ان لابسته في حياته الخاصة تكشف لك عن حسن محاضرة ، ولطف روح ، وسلاسة نفس .
ولي الشيخ حمود قضاء حائل الشرعي في اواخر حكم امارة آل رشيد والحكم السعودي ابان امارة الامير عبدالعزيز بن مساعد ال جلوي ،. حتى عام 1378 هـ .. فاحسن السيرة وعفّ عن اموال الناس والدولة ، وحكم بالعدل والصلح بين الخصوم ( ولم يكتب توثيقا او حكما شرعيا في املاك او نخيل وبساتين بداخل جبلي اجا وسلمى ) ، لم يكن رحمه الله في حاجة الى الاطراء المستعار ، فقد اتخذ لنفسه من جهده ، وخصب ذهنه ، ونضج عقله ، وذكاء قلبه ، ومزاولة القضاء ، خلودا ابقى واشمل واخص .. فكان ملء السمع ، ملء القلب ، ملء البصر ، لو حاول بكل جهده ألّا يكون رجلا عظيما ما استطاع ، وهيهات لامريء ان يملك من نفسه ما شاء لها الله ! وقد سوّى الله له هذه العظمة من يوم نشأ فكان عظيما بين اقرانه ، وكان قاضيا عظيما ، بسطة في العلم والاجتهاد ، بسطة في العقل والحلم ، وعزم تتزايل الجبال دون ان يتزلزل ، ويقين تتحول الارض عن مدارها ولا يتحول ، ومنطق في نواصي الحجة يصول به يتقدم اليه الخصم في الامر ، فيظن انه قد بلغ منه الغاية ، ووقع على الصميم ، وتمتع منه بالحصن القوي ، فما هو الا ان يرسل قاضينا عليه الحجة البالغة ، حتى يرى انه ملك الرأي السديد عليه ، من جميع اقطاره ، فيرى الخصم ان صرحه الذي اقامه تفرق عنه تفرق الهباء ، وتولى منخذلا عن يقين وقد ضربه الشك مخدوعا عن الواقع ، ما برح لهذا القاضي المبارك عزم الشباب ؛ حضور ذهن ، وقوة تصور واحاطة شاملة ، ومتانة ذاكرة ، وجودة رأي ، وصبر وجلد على معاناة كل ما يليه من اعمال جسام ، ومن اعجب ما يؤثرونه له من هذه الناحية ، حين نقلت عنه قضية منظورة عنده اصدر فيها حكم الله ، لم يزد ان قال كلمته : ( الحمد لله ، من عُوفي فليحمد الله ) وما زاد ان مُيّز ما اصدره من حكم شرعي بها ، بَتّاً ، وصودق عليه .
.. وترفع عن المطامع الدنية وكانت نفسه أبية ، ما سقطت وراء همة ، ولا خذلها صبر عند نازلة ولا استرقها طمع تأبى خلائقه وفعاله الا تجنب كل امر عائبا ، يردد امام الخصوم :
- الظلم يخرب الديار ، ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) .
ولي القضاء بحائل مدة طويلة فسار فيه باجمل سيرة ، من العدالة والنزاهة ، وكان في مذهبه صلبا ، ورعا ، زاهدا ، يحضرني حادثة وقعت في عام ١٣٨٥هـ حين تعدى وضم احد القضاة بحائل اوان ذاك ، لشارع( حي الجميل بالعليا ) المحاذي الى ارضه الخاصة ، التي اشتراها ، ولعلها آلت فيما بعد بالبيع والتخلص منها ..
المهم عندما فعل فعلته ببناء الساس وقفل الشارع ، اعترض كبار السن من شيوخ ( عائلة الجميل ) ورفع المتضررون الامر للامير عبدالعزيز بن مساعد امير المنطقة ، اسرع القاضي باحضار الشيخ المتقاعد حمود الحسين ، ليؤيد خصومته ، ويتقوى بها عند الامير ، لكن الشيخ حمود وقف وقال له :
_ هذا ( المديق ) ياولدي ، وهذه بيوت الجميل فلا تزحم سوقهم ، وتقفله .. انا ساكن في بيت جدي ( ابو ابي ) بحي لبده ، ومقتنع بذلك ولو طلبت من الامير لاعطاني في حائل كل ما اطلب !!
هكذا عاد الشيخ حمود الى منزله واقتنع القاضي ، مكرها ، براي الشيخ
وتمنى من احد المواطنين اصلاح الامر والتوجه عليه بالتنازل امامهم توفيرا لماء الوجه ،
رحم الله الفقيد الشيخ حمود ، قاضي الامير عبدالعزيز بن مساعد كان في حياته شخصية ممتازة جذابة تؤثر فيمن حولها كما تؤثر قطعة الماس في كل معدن آخر : قوة في تواضع وهدوء في يقظة وصراحة في اخلاص ، ستظل ذكراه عطرة ندية في قلوبنا جميعا ما بقي في العمر بقية ، فالدنيا تجود لتسلب ، وتعطي لتاخذ ، وتجمع لتشتت ، وتحلى لتَمِر ، وتزرع الاحزان في القلوب بما تفاجأ به من استرداد الموهوب
رحم الله الشيخ حمود كان هذا القاضي على متانته وشدة جزالته ، حسن الخلق ، خفيف الوطأة ، سهل الجانب ، كثير الدعابة ، منطلق البشر مع الجميع ، حتى انه ربما استراب بباطنه من لا يعرفه اذا شاهد اسلوبه في الاسترسال .. يقبل عليك بكل لطفه حتى يُفْرِخُ روعك ، ويفسح لك في جوانب القول لتقول ، وانه ليباريك في منزعك ، ويدارجك في حديثك مستمعا متأملا غير مقاطع ، فيرسلك على سجيتك ويسترسل معك ، حتى اذا اطمأننت اليه ، وظننت انك في مساجلة رجل مثلك ، وثب به ذهنه وعبقريته الى ما لا يتعلق به ذهنك ، فاذا انت قد طرت كل مطير ، واذا الطبيعة تأبى برغمك ورغمه الا ان تشعرك انك في حضرة : فضيلة القاضي الجليل الشيخ حمود الحسين ..
ورحم الله رجالا في مجتمع حائل مضوا لسبيلهم .. ذلك لعمري هو الاشعاع الباهر ، والمجد الخالد ، والوطنية الصحيحة التي تعمل كثيرا ولا تعلن عن نفسها .. وتلك هي العظمة الخلاقة .. شاء الله ان يقرن اسم هذا الرجل بأجَلّ الاعمال

سعود مشعان مناحي الدخيل
حائل

___________
 0  0  1450
التعليقات