×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

علي العقلا .. إلى رحمة الله

.. مهما امّلنا ان يمتد العمر بمن نحبهم ، ونودهم ، ونقدرهم ، ونعرف فضلهم .. فاننا نفتقدهم واحدا بعد واحد ، اذ لكل عمر مقدور ، وميقات معلوم ، واجل محتوم ، فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، ولسنا نملك ازاءهم الا التسليم لقضاء الله الذي لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ..
نودع اليوم ، وما اقسى ان نودع ، والوداع بين الخالدين الاوفياء كثير الوجود ، والناس للموت تسير ، والسابق السابق فيه الكرام .
نودع اليوم رجلا من اعيان مدينة حائل ، فتى الجود ، صلته بالناس قديمة ، عرفوه ، وعرفوا ابيه ، من قبله ، فما اشبه الابن بابيه ، وكما قالوا قديما : الولد سر ابيه .. اسرة كريمة ، اشراف بابدانهم ومنزلتهم في قومهم ،
الحق اني لم اشاهد الفقيد الا باسما ، واستقباله متميز أخّاذ ، وكلمته ، يرحمه الله ، قاطعة .. ذكروه كبيرا في خلقه وسلوكه ، متعاونا ، بنفس هادئة مطمئنة .. لا يقف عند جزئيات وصغائر الامور ابدا ، تهمه القيم الخلقية ، وتعنيه القضايا لعلاجها ، والحرص والرغبة الصادقة في ان يؤدي واجبه نحوها ، نراه في قوة وحيوية ونشاط ، وطنيا محافظا غيورا ، لا يحس بكلل او ملل ، فلا شكوى الى ان حان حينه ! ففارق الدنيا ، في غير جلبة ولا ضوضاء ، يرحمه الله رحمة واسعة ..
في الحياة كان عليٌّ جوادا يحبه الناس ، سخيا بوده لكل الناس ، تسري منه روح المودة الى اهله واخوانه وخلانه ، فيجمعهم على الخير اشمل ما يكون الجمع ، وافسح ما يكون الوفاق والائتلاف ..
يرحم الله الفقيد ، كان باذلا لوفائه وبِرّه لمن عرفه ، مهما يقصر زمان المعرفة ، غفر الله له .. الجود بالود والحب والوفاء دون تعلة لانه ود ، وحب ، ووفاء .. درجة لا يسمو اليها من الناس الا عليّ الناس ، فارع الروح .. وكان هو محباً للناس ، عطوفا ، ألوفاً :
لا يعرف المرء ما يخفي له القدر
لو كان يعرف ماذا ينفع الحذر
سيف المنية مسلول وقاطعه
يهوى علينا فلا يبقى ولا يذر
.. رحم الله الفقيد ، ونفحه برحمته ورضوانه ، كل له ساعة لا ريب آتية فيها منيته .. لا اخفي عليكم ، وقد قرأت نعي وتأبين شقيق عمره الدكتور ابي خلدون ، وهو متهيب هول الموقف ، يجدد في النفس من الحسرة ، يبكيه بالدمع الهتون ، ومثله من يبكى عليه ، فقد كان المرحوم لهم ؛ المعلم الملهم ، والاخ العطوف ، والصديق الودود .. فالموقف مهيب شديد على النفس ، وما أقسى ان ينهض الشقيق في تأبين اخ عزيز عليه أعلى ما تكون العزة ، حبيب اليهم اقوى ما تكون المودة ، وان الراحل الكريم ، غفر الله له ، كان في مكان الحب منهم جميعا ، وفي ارفع منزل من منازل التقدير والاجلال عندهم ، فكان البسمة الوقور ، مما رأوا فيه ، الاخ الكبير الحاني ، والصديق المثال ، تحابا وعُلِم علاء قدر الكبير ، وعظمة اثر الفراق ..ويبدو عند قراءة اولى سطور رثاء ابي خلدون ؛ ان الحب المتبادل ، وعظمة المرثي ، كفيلان بسهولة رثائه .. ولكن الحق غير ذلك ، لان مشاعر الأسى المنبعثة عن محبه ، من شأنها ان تهز النفس هزّاً ، وتملأ القلب وجدا ، فيعجز اللسان عن التعبير ، أيما عجز .. ثم لان عظمة المرثي ، وضخامة تأثيره توحي بالرهبة والتهيب .. ولكن الظروف اقتضت ان يرثية ولو بكلمات موجزة ..
كان الفقيد حلو المجلس ، عذب العشرة ، لطيف الحديث ، رفيق الصوت ، يحرص على الاستماع اكثر مما يحرص على الحديث والمقال ، ويصغي الى الاقوال المتشابكة في يقظة وادراك ، ثم يتخير اصوبها ، ويدلل للحضور على صحتها ، كانت به كراهة جذرية متأصلة للكذب ، وكأنما خلقه الله كذلك ، بينه وبين الكذب عداء ، وكانت تواكب هذه الخلة فيه ، وتتكامل معها : خلة الحياد في المواقف ، فكان لا ينحاز الى جانب دون جانب الا ودليله الحق ، منطقيا ، واضحا ، سهلا ، ميسرا ، دون تزمت ولا تعقيد .. ولقد خلّف اختيار الموت للمرحوم في نفوس اهله واصحابه ومحبيه غير قليل من الأسى والحزن واللوعة ، وضاعفهما انه حين نزل به القضاء ، علم الاخوان والجماعة والصحب بالخبر الفاجع والرزء الفادح ، فاسرعوا يحاولون تشييع جثمانه الى مقره الاخير ، غير انه لم يكتب للكثير منهم لظروف وبائية تمر بها البلاد .. هذه هي سنة الحياة ، فنحن على مهل ، من ورائه اجل ، نودع احبابا الى دار الخلود في رحلة ليس لهم فيها عودة ، ولا عندنا عنهم خبر :
لا يبعد الله احبابا لنا ذهبوا
افناهم حدثان الدهر والابد
نمدهم كل يوم من بقيتنا
ولا يعود الينا منهم احد
.. تمر الايام ، وتتابع ، ويدور الفلك بالناس دوراته المتلاحقة ، فيغير الله الاحوال بين يأس ورجاء ، وعبوس وصفاء ، واقبال وادبار ، والله يقلب الليل والنهار .. وقد خلق الله الموت والحياة ، والموت ، بلا شك ، حق لاريب فيه ، وقدر نافذ لا مرد له ، رضي الناس او سخطوا ، اعلنوا الحرب عليه ام سالموا .. والله سبحانه وتعالى يقول : ( كل نفس ذائقة الموت ، وانما توفون اجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ، وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور ) .

سعود بن مشعان الدُّخَيِّل
حائل ٢٠٢١/٣/١٣ م
 0  0  2577
التعليقات