"حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام"
RSS Feed Twitter YouTube
صحيفة سبق الجميع???????

جديد الأخبار
جديد المقالات

مدار للسياحة

مجمع الأهلي

جمعية الملك عبدالعزيز الخيرية

القافلة للسفر والسياحة

هوم تودي







22-12-1440 05:20 AM

وَقْفة مع حبِّ (امرأة العزيز: زُليخاء) للنبي يوسف عليه السلام.... ج2
محاولة زليخا التغطية على عشقها: امرأةِ العزيز واسمها (راعيل بنت رماييل، و(زُليخا أو زُليخاء لقبُها بضم الزاي)، أحبّت يوسف عليه السلام وشغفها حبا، والشغف: من درجات الحب وأقواها، فقد أسَرَ قلبَها جمالُه عليه السلام. وبعد أن انفضح أمرُها بين الناس، لاكَتْها الألْسُن، وبخاصة الطبقة الراقية، الطبقة المخملية الدنيوية، ممن حولها من مثيلاتها من النساء، لذا أرادت أن تتخلص من الفضيحة، التي باتت ملتصقة بها، فكادَتْ لهن كيدا، بأن أعدَّت إليهن متكأ، وأرسلت لهن، ولما دخل يوسف عليهن، ذُهلن وقطَّعن أيديهُن،من جماله عليه السلام ـ والتقطيع هنا التَّجريح؛ جرَّحن، وليس التقطيع فصل اليد من المفصل. وبعد أن شاهدنَ يوسف عليه السلام، اقتنعنَ أنَّ امرأة العزيز لا تلام في حبها له...قال تعالى: (وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ). ثم يقول سبحانه على لسانها: (قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) (يوسف: 32). ما هذه الجرأة التي جعلتها تصرح عما يجول بخاطرها، في مسألة محسومة؟ فهي زوجة، وزوجة مَن؟ زوجة عزيز مصر. فقد طغت عاطفتها على عقلها، وتصرفت بجهالة، قادتها شهوتُها إلى فضيحة انتشرت بين الناس، ومع كيدها العظيم لم تستطعْ أن تتخلّصَ من هذه الفضيحة، وهتكت جلباب الحياء، ووعدت بالسجن إن هو لم يفعل.
حبٌّ شكليٌّ: ورغم أنهعليه السلام شغفها حبًّا _ والشغف: من شغاف القلب وهو غشاؤه، وتعني عمق مشاعر الحب، ووصولها إلى غشاء القلب. يقول بعضهم أن حبّها كان حبّا شهوانيا، حبًّا سينتهي بعد اللقاء الأول،حُبَّ شكلٍ وحبَّ مصلحة، ولم تكن تحبه حبَّا روحيا خالصا وفيا. لماذا يا ترى لم يكن حبُّها صادقا؟ قال العلماء: لو كان حبُّها حبًّا حقيقيًّا روحيًّا، لما آثرت نفسَها على من تحب،وهمَّشته وتركته يدافع عن نفسه وحدَه، عندما فاجأها زوجُها عند الباب، متلبِّسة بالخيانة الصغرى _ إن جاز لنا تسمية فعل الفاحشة خيانة كبرى، كما جاء في قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ)؛ وإن سأل أحدهم: كيف: (شغَفَها حبًّا)، ثم ينفي العلماء صدق حبِّها؟ نقول: قولُه تعالى: (ِوَقَالَ نِسْوَةٌ في الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (يوسف: 30) قوله تعالى(وَقَالَ نِسْوَةٌ)كان على لسان النسوة، لذافلا التباسَولا تناقضَفي الكلام. وبعد ذلك التلبّس بالخيانة، تنصَّلت العاشقة من فِعْلِها، وألَّبَتْ زوجَها على يوسف أن يسجنه، كما جاء في الآية الكريمة: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). ما هذا الحب؟! الذي تقبل أن يسجنَ معشوقها أو يعذب، ما هذا العشق الذي ما استطاعت أن تبحث عن سبب ينقذُها وينقذ معشوقَها من الموقف المحرج الذي هي سببه؟ ما هذا الحب وقد تركت يوسف يدافع عن نفسه قائلا: هي راودتني عن نفسي!؟ ما هذا الحب الذي أرادت به سوءا؟!كيف أسقطت جميع التبعات على يوسف عليه السلام وهو معشوقها؟ ولو أن واحدة في هذا الزمن حصل لها ما حصل لزليخا،_حيث تتصف النساء بمهارة الكيد العظيم!لاستطاعت أن تنجوَ من التهمة، وتغطي على محبوبها بأي مبرر، فكيف وهي ملكة القصر؟! ما هذا الغرام الذي انهارت به عند أول صدمة، لحظة قابلت فيه زوجها؟ إلى آخر ذلك من التساؤلات. ويقول سبحانه على لسان يوسف: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (يوسف: 25، 26) وقال: (قُدَّ مِنْ قُبُلٍ)دليل قوي على تهمته،لأنه هو المقبل عليها، المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها، فشقت قميصَه من الأمام،ودليل براءته، في قوله سبحانه: (وَإِن كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَت وَهُوَ مِنَ الصّادِقينَ). في قوله: (قُدَّ مِن دُبُرٍ)،لأن شق قميصه من الخلف،دليل على هروبه منها، وأنها هي التي طلبته. ومن خلال هذا الحوار، لم نرَ أيَّ تفاعل من طرف المعشوق يوسف، وأقول المعشوق، لأنه بدا لي أن هذا الحبُّ، لم يكن من طرفين، إنما حب من طرف واحد.
هيئة التحقيق: وبعد هذه المشاهد، عُقِدت له هيئةُ تحقيقٍ فورية، وفق الحيثيات الماثلة والأدلة الدامغة؛ قاضٍ هو العزيز نفسه، والمتهم (يوسف) والمتهمة (زُلِيخا) والشاهد (طفل في المهد). واستنتاجات القاضي، أنَّهفهِمَ من قولها: (مَنْ أرادَ)، ولم تقُل "من فَعَلَ" أنَّ يوسف لم يفعل الرذيلة، مما يخفف عنه الحكم؛ كما في قوله سبحانه: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا). ودليل آخرُ مادي محسوس هو القميص، وقد خُرِقَ من دُبُرٍ ولم يُخرَق من قُبِل. فضلا عن المقابلة الأولى الأساسية فيما بينهما التي فاجأهما بها زوجها. كل ذلك كان بين يدي هيئة التحقيق، وينتظر الجميع التداول وإعلان النتيجة.
النطق بالحكم: بعد كل هذه الحيثيات، ظهرت نتائج التحقيق، بثبوت الأدلة المتوافرة في ذهن القاضي، التي تحكم ببراءة يوسف عليه السلام،ولا تكفي لتجريم المتهم، وأمرَه بالإعراض عما حدث حفظا لشرف زوجته، وأمرها بالاستغفار والتوبة وَفْقَ ما جاء في قولهِ تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) (يوسف: 29). ربما يخطر على بال القارئ سؤال: كيف تبرأ يوسف عليه السلام، ثم سُجن؟ تقول الروايات أن زليخا تحاورت مع زوجها عزيز مصر، وقالت له: إما أن أخرج إلى الناس وأعتذر لهم عن مراودتي ليوسف، أو تسجنه. فعقد اجتماعا بعد ذلك لهيئة القضاء التي يرأسها هو عزيز مصر، ثم حكم على يوسفَ، وقضى عليه السلام سبع سنوات في السجن. كما جاء في قوله سبحانه: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (يوسف: 35).
رأي آخر: وبرأيي أن أحداث القصة المتسلسلة في القرآن الكريم، دليلٌ على وقوع هذه الحوادث كما هي، ولا داعي للمغالاة بالتأويل الذي يغير من مفهوم القصة ومتعة سردها. فإذا نحن وافقنا من قال:أن البرهان في الآية: (لولا أن رأى برهان ربه) هو ضمير يوسف عليه السلام، وهو فقط الدافع للعمل الصحيح والندم على الفعل الخاطئ. وتكذيب الإسرائيليات _ وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلميقول: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم. رواه البخاري.وإنْ نحن وافقنا،أنه لم يتدخل أحد في ردعه، فقد تظهر من خلال التأويل التناقضات التي تختلفعمَّا هو واقع الحال. وكذلك لو لم يحدث تحرشٌ من امرأة العزيز بيوسف عليه السلام، وكان حبها حبَّ مصلحة، فلم يعد قيمة للحب، ولا يعدو هدف المرأة سوى اللقاء الجنسي وحسب. وكأننا نسفنا قصة حبها من أولها، ولا معنى أيضا لمستوى الشغف الذي أحبت به يوسف. كما في قوله تعالى: (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا). وأخيرا الأمور التالية تتعاون لتصل بالقارئ إلى النتيجة العادلة:
• الحوار الذي جرى بينها وبين يوسف، ورفضه مراودتها، قال تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
• التدخل الإلهي في ثنيه عن فعل الفاحشة في قوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
• وشاهد الإثبات، قوله تعالى: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا).
• والاعتراف سيد الأدلة في قوله سبحانه: (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)وقولهقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) (يوسف: 51).
• ذهول النساء عند رؤية يوسف عليه السلام.
• يقول عليه السلام: لم أرتكب منها فاحشةً في حال غيبة زوجها. فإذا هو لم يرتكب ذلك في حال غيابه، ففي حال وجوده أحرى أن يكون بعيدًا من أن يرتكبها.كما في قوله تعالى: (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) (يوسف: 52).
فسرد القصة بما فيها من مدَعِّمات تزيد من متعتها، ويتفتق معها الخيال المصحوب بالصور المتخيلة، يزيد القصة جمالا ومتعة، ويجعل القارئ يتفاعل مع الأحداث، مستخدما بعدها التحليل المنطقي للوصول للنتيجة المقنعة العادلة. هذا والله أعلم.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
"اللهم اجعلنا من التوابين ومن المتطهرينوأشغلنا بإصلاح عيوبنا عن الاشتغال بعيوب لآخرين ".
د. إبراهيم نمراوي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 211



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


د. إبراهيم نمراوي
د. إبراهيم نمراوي

تقييم
8.54/10 (8 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تركيب وتطوير : عبدالله المسمار