×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

( كبيرة ! كبيرة ، ودي اصدق .. ودي اصدق )

انقض على عالم الاسلام طوفان المغول .. نكبتان مخيفتان ، من النكبات التي اصابت العرب والاسلام ، دمرت مدينتين ازدهرت فيهما الحضارة واينعت ، وافنت خلائق من العلماء والعظماء والناس ، وبددتا آلافا مؤلفة من تراثنا العربي المكتوب ، نكبتان كانتا كيوم الفزع الاكبر ، دكت فيهما دور ، وهوت قصور ، وهتكت اعراض وسبيت نساء ، وقتلت اطفال ، ونهبت اموال ، وسالت دماء ، تلكم نكبة بغداد ، دار السلام ، على يد هولاكو سنة ٦٥٦ هـ ، ونكبة دمشق ، موئل العروبة ، على يد تيمورلنك ، وما كان هولاكو يستطيع ان تطأ اقدامه ارض الاسلام ، لولا انه وجد المسلمين متفرقين ، وملوكهم متعددين ، ووجد من انفسهم اعوانا له مهدوا له الامور ، واطلعوه على عورات البلاد وعلى رأس هؤلاء الاعوان وزير الخليفة المستعصم ويدعى مؤيد الدين العلقمي كان رافضيا حريصا على زوال الدولة العباسية ، ونقلها الى العلويين ، ركب هولاكو بجيوشه العجيبة الكثيرة كالجراد ، قاصدا بغداد حتى وصل الى قربها ، عندئذ دخل الجيش المغولي بغداد ، اعملوا السيف في رقاب اهلها .. فاستمر القتل والنهب والسبي بضعة وثلاثين يوما ، ثم امر هولاكو بِعَدّ القتلى ، فيقول بعض المؤرخين انهم بلغوا ثمانمائة الف ، ويقول آخرون انهم بلغوا مليونا وثمانمائة الف .. وخربت بغداد ، هدمت دورها وقصورها واحياؤها ودور العلم فيها ، واحرقت الكتب واتلفت ، وكان فيها خلاصة التراث العربي في العلم والادب والفلسفة ، ولم يبق في بغداد الا القليل ممن نجا من القتل ، ومن الموت ، وخطب لهولاكو فيها بعد ذلك ، وكانت اول خطبة :
( الحمد لله الذي حكم بالفناء على هذه الديار )
واتى هولاكو بالخليفة وابنه فقتلا ابشع قتلة ، وطرد العلقمي من الوزارة ، ولم يوله الامور .. وعلى نفسها جنت براقش .. وهكذا تقوضت بغداد العظيمة الجبارة التي حفظت العلم والفلسفة والادب والحضارة ، على ايدي هؤلاء الطامعين المغول ، لضعف خليفتها وتفرق اهلها شيعا .
والنكبة الثانية كانت سنة ٨٠٣ هـ لبلاد الشام على يد السفاح تيمورلنك وقد هجموا على سورية واقتحم مدينة حلب واشعل فيها النيران ، واسر ونهب ، وقتل ، وجمع الاطفال فذبحهم ، وارتكب جنده فيها من القبائح والمنكرات ما لا يمكن ذكره ، ثم مر على حماة ، وسلط عليها ابنه ، فسبى نساءها واسر رجالها ، وفعل اصحابه بالنساء والابكار انكر الافعال ، واشعل النار بها ، ثم مضى نحو دمشق وتحصنت قلعتها فلم يجد من اهلها من يخون ، وترك امراء دمشق وآثروا مناصبهم وسلطانهم على الدفاع عن المدينة ، وتخلوا عنها واسرعوا الى القاهرة ، وفتح باب المدينة الصغير فدخل جنود تيمور ويا لفظاعة ما ارتكب هؤلاء من قتل وتعذيب وسلب ونهب كانوا ياخذون النساء والابكار فيفعلون بهم المنكرات في الطرق وفي المساجد امام الناس جميعا ، دام ذلك كله ثمانين يوما .. وخرج تيمور ، ودمشق اطلال بالية ، لم يترك شيئا فقد حطم ما مر به ، حرقا وهدما وقتلا ونهبا وهتكا ..
اسوق هذا الحديث بعنوانه المثير الساخر ، ويمثل موقفا نقديا تاريخيا لمن يتحدثون عن التتر والمغول الهمج الرعاع الهامج ، زحفوا الى الديار واكلوا الاخضر واليابس فكانت قاعا صفصفا ، وقد روى التاريخ فضاعتهم في العراق وبلاد الشام ، عاثوا في ارض العرب فسادا وتحريقا واغراقا .. سدوا بالجثث روافد دجلة والفرات وبكتب العلم والمعارف ومئات الالاف من المخطوطات .. ليت قومي يقرأون التاريخ بتمحيص وحذر ، ووجهة سليمة منزهة عن الهوى بعيدا عن اللغو ، والبهرجة وتزييف الحقيقة ، فيسلكوا بما يرسلونه جادة المنهج العلمي الصحيح ، اذ نرى بعض ادباء العرب خضعوا لنحل وتيارات سياسية معاصرة ، ربطوا ادبهم بها ، واصطرعوا فيما بينهم حول مفهوم كل تيار منها ، قد يميل الى اقصى اليمين او اقصى اليسار ، ونسوا في غمار ذلك تاريخهم الاسلامي ، وثقافتهم العربية وان كتب العلم والفكر في بغداد احرقها الجهلة واغرقوها في لجة النهر .. ان الحقائق التاريخية ولا سيما في تاريخ الاسلام شبه ( الدّر ) الملقى بين اشواك يحتاج لمن يريد استخراجه من تلك الاشواك الى أناة ، وروية ، ونظر ، في وجه السلامة من اذى الشوك ، وما لدى اهل التبت مما ينشر الا بهتانا وزورا ، لا علاقة له بتاريخ ولا يمثل شيئا عن العرب ..

سعود بن مشعان المناحي الدخيل
حائل ١٤٤٣/٣/٤ هـ
 0  0  104
التعليقات