×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

اضواء المجد في مدينتي حائل

الطريق من شعيب عفنان عبر " سويق الحرفية " او القراريش الكرام ، كما يطلق عليه في الايام الغابرة ، يفضي في اخره الى السوق الكبير ومسجد الشيخ عيسى المهوس ، وهو سالك اثناء النهار ، وموهنا من الليل .. عامر بالمارة ، طريق ضيّق العطن ، تكاد جدران منازله المأهولة ان تتقارب فتتلاقى لتكون ظلمة كأنها اغباش ليل تمام ، نمر في هزيع الليل ، ظلمة حالكة ، تطخطخ الغيم سوادا ، حتى ما له جوب ، لا فانوس ولا سراج ينفي الحلكة ولا فلق من ضوء ابدا .. كان عزاؤنا ان ستشرق الشمس لا محالة ، وتضيء الكون بنور ربها الازهر الجلي ، .. سقيا لملاعب الصبا ، ومغاني الشباب ، ما احلاها ، وما امرها على قلوبنا اذا عدنا اليها بعد طول الاغتراب لنراها بعيون غشّاها المشيب بسحب من الوهن .. انها تثير في صدورنا زوبعة من الذكريات ، يعتلج فيها الانس والحنين والاسف والوحشة والحزن والجزع واليأس والتأسي فيلذ لنا في غمرة هذه الكآبة الحلوة ، ان نبكي على انفسنا وعلى اولئك الذين فارقونا والذين اوشك ان نفارقهم ، بكاء المسافر النازح الذي لا يخفف من لوعته على فراق احبة اعزاء الا امل بلقاء اعزاء آخرين ، ينتظرونه في بلد بعيد ناء ..
مساء اكتوبر باردا والجو ملبد بالغيوم ، وعندما يقبل اول الليل تاخذ مساكن الاحياء تتوارى عن النظر شيئا فشيئا وراء حجب استار ذلك الظلام الحالك وكان الهدوء محيطا ، والسكينة محدقة بجهاتها كأنه روضة في قفر .. وفي سوق الصناع التجاري القديم العريق يلتقي الناس ، حيث التجارة المختلفة لحائل والربح الوفير نسبيا .. تجارة امانة وتعامل شريف فلا شطارة .. حوانيت عامرة باصحابها رجال مهرة ، وكل ألفى اباه بذاك الكسب يكتسب .. جمع ذاك الزمان تلك الوجوه الخيرة الطيبة الكريمة احسابها ، فما لذيذ عيش خالص ، ولا سرور كامل ، انما هو كفاف ، أبى خُلُقُ الدنيا حبيبا تديمه ودعناهم الوداع الأبدي في مقابر الزبارة والبويضاء ومغيضة والجراد وصديان ، اهل الجد والمطاريش والاسفار الطويلة والحدرات ، كأنهم وقد رحلوا جِيْدٌ تناثر عِقْدُه .. والبين فينا لفراقهم ، يرحمهم الله رحمة واسعة .. قصة حياة تلمس القلب فيتحرك لكل كلمة فيها ، ويعاني ما عاناه من قبله من عنت الدهر وقسوة الحياة ، وجبروت الطبيعة ..
قصة الحرمان بكل ما للحرمان من سطوة على مصائر بني الانسان .. اذا خانك الدمع وانت تتذكر وتتلو مستغرقا في السطور المتأججة بالشعور الجياش ، فلا تخجل من دموعك ، واطلقها لانها ليست دموع الضعف التي تهدر الرجولة والانسانية ، وانما هي دموع الاحساس الكريم ، والأسى الرحيم لنفوس حرمت في شبابها كل جميل ، وهي اهل لكل جميل لانها حرمت ، ما احرى اولئك الشرفاء بالدمع عليهم مدرارا والدعاء لهم بالعفو والمغفرة :

ذو الود مني وذو القربى بمنزلة
واخوتي اسوة عندي واخواني
في دهري الاول المذموم اعرفهم
فكيف أُنكرهم ؟ في دهري الثاني
عصابة ، جاورتْ آدابُهم أدبي
فهم ان فُرِّقوا في الارض اخواني

سعود بن مشعان مناحي الدخيّل
حائل. في ١٤٤٢/١١/٢٨ هـ
 0  0  61
التعليقات