×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
إبراهيم نمراوي

الاستقامة

يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30).
جاء في صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: "قلت: يا رسولَ الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك -وفي رواية -غيرك. قال: قل آمنتُ بالله ثم استقم. وزاد الترمذي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: (هذا)". وروي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه -أنه قال: ثم استقاموا: أي: لم يشركوا بالله شيئا.
وتعني الاستقامة بأبسط تعريف: لزوم طاعة الله سبحانه؛ فقد بُنِيت حياةُ المسلم من مولده حتى مماته، بعد شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أنَّ محمدا رسول الله، بُنِيَتْ على هذه الكلمة التامة الجامعة الشاملة؛ (استقاموا). فالاستقامة عنوان كبير في حياة الإنسان المسلم؛ فهو مع الاستقامة يكون بعيدا عن المعاصي والمحرمات، بعيدا عن قبول الرشوة، بعيدا عن الوساطة، بعيدا عن الغش، الذي نهانا عنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال: "عن أبي هريرة: أن رسول الله مر على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟))، قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني))؛ رواه مسلم. وصبرة الطعام، تنسحب على الغش في الأعمال اليومية؛ الزراعة، والتجارة، والتعليم، والجندية، وغيرها، وكل من يعمل في هذه الأعمال أو ما يشبهها؛ فهو يعمل في بناء الدولة، ومطلوب منه ومنهم جميعا، اتّباع أوامره والابتعاد عمَّا نهانا عنه سبحانه وتعالى.
وتتوافق الاستقامة وتتكامل مع الحديث الشريف، في قوله صلى الله عليه وسلم: "عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته؛ فكلكم راع ومسئول عن رعيته". فهذا الحديث الشريف عند تطبيقه تمام التطبيق، هو قمة في الاستقامة؛ فإذا استقام إمام الأمة، فقد استقامت الرعية، وإن استقام رب البيت استقامت الأسرة، وإن استقامت الزوجة استقام الأبناء والبنات، وهكذا، بعدها نجد الاستقامة قد عمَّت مفاصل الحياة المهمة.
نحن -المسلمين - نقع تحت مظلة الاستقامة، فإذا ما طبقنا ما جاء به القرآن والسنة، في جميع أعمالنا وسلوكياتنا التي نسلكها يوميا، فقد حققنا الاستقامة، فالاستقامة دوما أمام نظرنا، وفي سمعنا، وفي نطقنا، وفي ضميرنا، والاستقامة في حركتنا، قيامنا وجلوسنا، وفي استخدامنا للنت وجميع ما يتصل به، وفي كل تعاملاتنا ومعاملاتنا؛ فالموظف أينما كان موقعه، في التجارة أو في الصناعة، أو في الشركة أو في الوزارة، أو في الجامعة أو في المدرسة أو في أيِّ مكان، تدفعه الاستقامة إلى البناء والتطور والانتماء للوطن؛ لأن من معاني الاستقامة؛ العدل والوفاء والإخلاص. ثم بعد تطبيقها، سنلمسُ نتائجَها في تطور بلادنا وتقدمها. وخلاف ذلك؛ لن نصل إلى ما يرضي الله ورسوله، ولن نحقق أهدافنا المبتغاة.
وأخيرا نلمح في الحديث الشريف السابق لفتةٌ كريمة، في قوله عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا ينطق عن الهوى، إنما هو وحي يوحى: "قل آمنتُ بالله ثم استقمْ" ففي هذا الجزء من الحديث لطيفة: "قل آمنتُ" تفيدنا، أنَّ الاستقامة قد تكون عند الأجنبي وغير المسلم، فهو بعيد عن الغش وبعيد عن الكذب، ويتصف بالوفاء والإخلاص في العمل، لكنه لن يصل إلى الجنة، رغم أنه يتصف بهذه الصفات الصالحة الطيبة؛ لأنه لم يَبْنِ هذه الصفات ويطبقها من منظور معتقد ديني إسلامي. لذلك جاء إعجاز الحديث الشريف بقوله: "قل آمنتُ" قبل كلمة استقم، بمعنى: رِضا الله ودخول جنته، مقيَّدٌ بالإيمان بالله، ولا تنفع الأعمال الصالحة من غير إيمان بالله الواحد الأحد.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
د. إبراهيم مصطفى النمراوي
 0  0  284
التعليقات