×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
إبراهيم نمراوي

فساد الأرض

فساد الأرض

استوقفني تفسير قوله تعالى: [ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرضِ] البقرة:251 ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40].].
نفهم من الآية الكريمة من فساد الأرض؛ أن الحياة تفسُد بفساد أهلها، وفسادُهم؛ بالظلم والعصيان ومخالفتهم أمر ربهم، ودفع الله الناس بعضهم ببعض يوحي بأن أناسا ألِفوا الفسادَ وأُشرِبوه، وفي المقابل طائفة نجت بنفسِها من الفساد، ولم يكتفوا بذلك، بل قاوموه وحاربوه، وهؤلاء هم أهل الإصلاح وورثةُ الأنبياء. ذيَّلت هذه الآية العظيمة كل الوقائع العجيبة التي أشارت لها الآيات، التي تحدثت عن الصراع بين طالوت وجالوت.لكن لماذا تفسد الأرض؟ فهاتان الآيتان جاءتا في سياق الجهاد والدفع، ومن مقتضى العمل بهاتين الآيتين: أنْ إذا ظهر صاحب الباطل وأظهر باطله، فإنَّ على أهل الحق أن يتصدَّوا لهذا المبطل ويدفعوه بالحق، وإلا فسدت الأرض. وقد ربط الله صلاح الأرض بالتدافع، فلو توقف هذا التدافع لحظة لفسدت الأرض، فالصراع سُنة ماضية، ولو تغلَّب الحقُّ على الباطل على الدوام لم يكن لاختبار الناس معنى، ولا للدنيا مغزى؛ لأنَّ الناس كلهم كانوا سينحازون لمعسكر الحق، ولن يبقى مع الباطل أحدٌ! وكذلك لو تغلَّب أهل الباطل في الأرض، فلم يبقَ للحق صوتٌ ولا سلطانٌ، ولحلَّ سخط الله ومقته على أهل الأرض، كما يحدث آخر الزمان، ففي الحديث (أنه إذا لم يبقَ في الأرض إلا شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة)يتهارجون؛ أَيْ: يُجَامِع الرِّجَال النِّسَاء بِحَضْرَةِ النَّاس كَمَا يَفْعَل الْحَمِير. ففضل الله على الناس يقتضي هذا التدافع، فلو استبد أهل الباطل ولم يجدوا من يقارعهم، أو تمكَّن أهل الحق على الدوام، لحُرِم الناس فضلا عظيما، والدنيا دار اختبار لأهل الاختبار، وبحسب العمل فيها يتحدَّد الجزاء.
هي سنة الصراع، هي سنة جارية في الكون بين المؤمنين والكافرين، بين أهل الحق وأهل الباطل، بين أولياء الله وأعدائه، وقد جعل الله الدنيا مسرحَ هذا التدافع.وفي تاريخ ابن خلدون، يقول رحمه الله: "اعلم أنّ الحروب وأنواع المقاتلة، لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله (خلَقَها) وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصّب لكلّ منها أهل عصبيّته، فإذا تذمروا لذلك،وتواقفت الطّائفتان، إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تُدافِع، كانت الحربُ، وهو أمر طبيعيّ في البشر، لا تخلو منه أمّةٌ ولا جيلٌ، وسبب هذا الانتقام في الأكثر؛ إمّا غِيرَةٌ ومنافسة، وإمّا عدوان وإمّا غضبٌ للَّه ولدينه، وإمّا غضبٌ للمُلْكِ وسعيٌ في تمهيده"[.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

د. إبراهيم نمراوي
 0  0  1906
التعليقات