×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

الاستسقاء

في اواخر عصر الامير محمد بن عبدالله ال رشيد ( المتوفى يرحمه الله ١٣١٥ هـ ) وكانت ايام الوسم ، والارض في جدب وقحط شديد ، فتجلى لرجل من اهل حائل ، قبيل أذان الفجر ، وكان الرجل بين الصحو والنوم ، فسمع من يناديه ويراه بين نوم ويقظة يقول :
- اذهب الى الامير ، وقل له : يقيم صلاة الاستسقاء بامامة يعقوب ، هكذا .. فيصحو من نومه ، ويضمر في نفسه انها اضغاث احلام ، او رؤيا لا يعلم كنهها ، فلا يتعجل ! ومع علمه بصلاح وتقى الشيخ يعقوب معلم الصبيان ، ولكن كيف تقام صلاة الاستسقاء ، كالمعتاد ، بغير الشيخ عبدالله ابن مرعي ؟
ولكن هذا الرجل يهب من نومه في اليوم الثاني ، وبمثل الامس يلح عليه المنادي ويعيد القول في الذهاب الى الامير لتقام الصلاة بامامة الشيخ يعقوب ، وهو الولي الصالح ، توضأ المنادى اليه وذهب الى المسجد وصلى الفجر وابلغ الامير بما جاءه ، وذكر للامير الحالة ولم يكن مفاجأة للامير فقد ذكر ان فلانا نودي عليه بمثل ما رأيتَ ، وتبلغ منه قبل قليل
ارسل الامير محمد الى الشيخ ابن مرعي ، وكلفه بالسفر الى السلطنة العثمانية باسطنبول ، بعدما جهز الرِّكاب ، ومن يخدم الشيخ في رحلة السفر من الرفاق ، وطلب منه ان يسلم له على السلطان ويحييه بالنيابة عنه ، ويتباحث مع شيخ الاسلام هناك في ( فتاوي معينة ) ، ويتزود منهم بما استجد من كتب مطبوعة .. في العقيدة والثقافة الاسلاميه
.. فما ان سار ركاب الشيخ ابن مرعي ، عبر النفود طريق جبه ، وخرجت اخر القافلة من الثنايا ( ملاهده ) الشماليه لمدينة حائل ، حتى اعلن ، عبر رجال الحسبة ، في الاسواق ان غدا الاستسقاء ، لا كالمعتاد في الاثنين او الخميس ،
وهكذا صلى بالمسلمين الشيخ يعقوب السعد ، رحمهم الله جميعا ، فاجتمع له الناس في مصلى العيد ( شمال باب غطاط ) بارزين الى الله تعالى في جمع كبير ، وشارك الامير الناس في الخروج الى الله تعالى ، والضراعة له ، فابطأ الامام يعقوب حتى اجتمع الناس ، وغصت بهم ساحة المصلى ، ثم خرج نحوهم من دروازة باب غطاط الشمالية ؛ ماشيا متضرعا ، مخبتا متخشعا ، وقام ليخطب ، فلما رأى بدار الناس الى إرتقابه ، واستكانتهم من خيفة الله ، وإخباتهم له ، وابتهالهم اليه ، رقّتْ نفسه ، وغلبته عيناه ، فاستعبر وبكى حينا ثم افتتح خطبته ، ثم اندفع تاليا قول الله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) ودعاهم الى الاستغفار والتوبة والتزلف اليه بالاعمال الصالحات ، فضج الناس بالبكاء ، وجأروا بالدعاء ، ومضى على تمام خطبته ، فقرع النفوس بوعظه ، وانبعث الاخلاص بتذكيره ، فلم ينقض النهار حتى ارسل الله السماء بماء منهمر ، روّى الثرى ، وطرد المَحْل ، وسكّن الأزْل ، والله لطيف بعباده ... نشأت سحابة ، بل تلبدت السماء بالسحب على كافة ارجاء المنطقة ديمة بعد ديمة ، على عهاد غير قديمة ، فجاء السيل الجرار ، الذي عفى الأثار ، وملأ الجفار ، سبع ليال بلياليهن ، اقلع عن نفع بلا إضرار ، فغادرت السهول والجبال كالبحار تتلاطم بالتيار ، والحزون متلفعة بالغُثاء ، وكان الحيا والربيع والكلأ ، ومما يدل على صلاح الناس وسذاجة البعض وبراءتهم ، ان امرأة تريد ان تدخل منزلها الطين فزلقت رجلها ، في السوق ، عند عتبة الباب ، وارتطمت بالطين فصاحت غضبى :
- قولوا ليعقوب : يوقف مطره !
اتم الله نعمه عليهم بالربيع والحيا ، اشرقت الوجوه ، تصافحت الايدي بالسلام ، والشكر للمنعم ، وكل منهم يسأل الآخر عن احوال منزله المبني من الطين ( الاكليشة المتكرره ) في مثل هذه المناسبة. :
- عسى ما خالف عليكم شيئ ؟ والكل يدعو الله شاكرا .
( ألا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) .

سعود مشعان مناحي الدخيل
حائل ١٤٤١/٥/١١
 0  0  113
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر