×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

وداعا ايها الرجل الجواد

بسم الله الرحمن الرحيم : " وما كان لنفس ان تموت الا باذن الله كتاباً مؤجلا "
يشق على النفوس الا نرى بيننا الشيخ الكبير مقاما : متعب بن عبدالله المتعب آل رشيد ، اذ خطفته المنون ، فتفجعت عليه المعارف والاصحاب والاصدقاء ، وبكاه الجميع ، وخسره الخُلُقُ العالي ، ومضى رضوان الله عليه في عداد الخالدين من الرجال المصلحين الاوفياء ، يحفه الجلال والسكينة ، .. انه لعزيز علينا ان يفقد هذا الانسان الخيِّر الكريم ، احوج ما نكون الى فضله ، وجَمّ صحبته ، وتجاربه في الحياة ، واننا حين نعزي انفسنا عن فقد ذلكم الشيخ الجليل القدر والمكانة ؛ لنشعر بان مصابنا فيه على جلالته ، جزء من مصاب الوطن في مُوَاطن نزيه الفانية ، ووطني وفيّ ، شريف النزعة ، وأبي عزيز النفس ، الهمنا الله العزاء فيه ، واحسن العوض منه ، وانزله من جنته منازل الابرار الخيرين في عليين ، واني اذ اتقدم بالتحية للمرحوم وهو الى جوار ربه لن احيط في هذه العجالة الى ترجمة مختصرة لحياة حافلة بالنور والخير ، والى صورة من اخلاقه وانسانياته ، والى تلك النظرة الحميمية الى الناس كل الناس بالود والمحبة .. وتقديرهم اياه، فالكل له محب ، اما وميوله فيتبينه خلطاء الفقيد مما كان يفيض عليهم في مجالسه بدعاباته اللطيفة ، وطُرَفه ، وأُنسه المرح المحبوب ..
.. سطور اكتبها لذكرى الفقيد الراحل ، حياة سعيدة ممتعة ، اذا خالجته فيها الهموم فلا كآبة ، لم يئن ، ولم تهد من بنيانه المتين او تودي بمرحه ، وظل بلسما مبتسما ..
رحم الله الشيخ الكبير الفقيد متعب
مجالسه موئل للجميع ، كنت ازوره في مجلسه العامر ، فلا اجده قط الا محاطا بالاخوان والاصدقاء وذوي الحاجات ، يستقبل الناس بالبشاشة المعهودة تلك التي لم تفارقه قط ، فيحتفي ويسأل .. نعجب احيانا بما يبديه الفقيد في حديثه من ذكاء وعلم وكفاية واحاطة تامة ، فنحني الرؤوس اجلالا له ، واكبارا لصفاته واخلاقه ، فقد كان ( انسانا ) بكل ما تدل عليه كلمة الانسانية من معنى عام نبيل ، فما ، والله ، سمعنا مرة ينطق بكلمة نابية ، وما رأيناه يوما يضيق بسؤال محتاج ، او يضن على احد بنوال ،يأخذ بيد الضعيف السائل ، في رفق وأناة .. طبيعته من تلك الطبائع النقية الوادعة المهذبة التي ترتاح اليها النفوس ، وتهفو اليها القلوب ..
يرحم الله الشيخ متعب ، فلن انسى تلك الاحاديث الشائقة الأخّاذة التي كان يختص بها الجلساء ، ويقتطع لها من وقت فراغه وراحته .. غيور .. اذا تكلم تحدث باصلاح ونشاط اهل ، ومبلغ عناية بتربية النشء ، وانهم ذمة في اعناق الجميع ، وعن الاخلاق والسلوك الزاكي ، مما كان له في نفوسنا اثر معنوي عظيم ، فقد امدنا وجوده بيننا بأمل جديد ، وعزم جديد ، وحب وولاء للوطن الغالي وقيادته المنصورة ،
عرفت الفقيد منذ ثلاثين عاما او تزيد ، وجمعتني به - خلال ذلك الزمن الطويل - مجالس ورحلات ، فما فارقني الشعور لحظة بانه الكبير اصلا ، والمعلم والاب ، وانا بعض غرسه وثمرة من ثمره .. شخصية ممتازة جذابة تؤثر فيمن حولها كما تؤثر قطعة الماس في كل معدن آخر .. قوة في تواضع ، وهدوء في يقظة ، وصراحة في اخلاص ووفاء ، وتجارب حياة في غير مباهاة ، ووطنية مخلصة لهذا الكيان ، يثور على من يحاول النيل من الوطن ، فلا مساومة ، وتفكير سديد في رفق وامانة ، قبل ان ينطق بالجواب المسكّت ، ستظل ذكراه عطرة ندية في قلوب محبيه وعارفيه ، ما بقي في العمر بقية .. عرف الفقيد وفي اطوار حياته ما يوجب الاعجاب به والتقدير له ، كان يخطر بيننا بقامته الفارعة ، ويتحدث بصوته الهاديء ، وكان يقع في قلوبنا جميعا موقع الاعزاز والاحترام ، وما تزال صورته ماثلة امامي ؛ سلوك كله واقعية واخلاص ، وصدق وصراحة ، ورقة قلب ، واعتدال في الرأي ، فلا مكابرة ولا مبالغة ..
وفيٌّ ، صدم يرحمه الله بوفاة زوجته الفضلى ، وكانت تلك الشريكة البارة به الصالحة هي خير ما يركن له في هذه الحياة ، فهدت فجيعته فيها كيانه القوي ، وعاش بعدها تهيجه بها عواطف الحزن والأسى .. وكانت هذه الصدمة الاخيرة القاضية على انس الفقيد ، فلم يثبت بعدها الا اشهرا ..
رحم الله الفقيد .. عزيز علي ان اذكر هذا الوجيه العزيز شيخ الوقار والشرف والفخار ، وان اقرن ذكره بهذا الدعاء الذي نذكره حين ننعي من سبقونا الى الآخرة ، وكم كنت اتمنى ان اذكره دائما وان اضيف : " حفظه الله " ولكن قضاء الله لا يرد ، كما ان نعم الله لا تعد ، وليس بُد مما ليس منه بُد .
.. دامت صحابتنا للفقيد الكريم ، يرحمه الله ثلاثة ، عقود من الزمن فما وهنت الصلة بيننا ، كان حريصا على اللقاء كلما امكن اللقاء وتجديده .. هالني وفجعني وانا في رحلة الى منطقة " بسيطة الجوف " نعيه ، في وسائل التواصل الاجتماعي ، وما اشد ان يفجيء الصديق نعي صديقه وكبيره ، لم استطع ان افزع بآمالي الى الكذب ، كما يقول المتنبيء ، فاستسلمت للغم والحزن ، وتوالت الذكرى سراعا كأنها تحاول ان تحييه في نفسي ، وتغلب الموتَ الذي هالني .. وما اشد ما يحتاج الانسان الى الاخوان والموجهين الناصحين الكرام ،والاصدقاء الاوفياء في هذا الدهر العرم وهذا الزمان المتقلب ، وهذه الخطوب العالمية المظلمة ، التي لا ينير فيها إلا خلال الانسانية الخيرة في قلوب الاصدقاء ، وإلا نور الحياة الصادقة في وجوه الأخلاء ..
كم وددت اليوم ان اكون حاضرا بين اخوان اشاطرهم الأسى والحزن لفقد صاحبنا الرجل الكبير ، اسبغ الله رحمته على الفقيد رحمة واسعة ، وجزاه عن جهوده ، واخلاصه ، ومواطنته ، وولائه للعرش الكريم ، بخير ما يجزى به عباده العاملين المخلصين، وخلد الله روحه في النعيم المقيم ، وهيأ لنا صبرا ، وعزاء ، واتاح له من حسن الذكر وكريم الثناء .

سعود بن مشعان الدخيل
١٤٤٢/٢/٢٤ م
 0  0  340
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر