×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
إبراهيم نمراوي

الإتباع بين الفصيح والعامِّيِّ.... الجزء الأول

الإتباع بين الفصيح والعامِّيِّ.... الجزء الأول

سنتحدث في هذا المقال ـ وهو جزآن؛ في الجزء الأول عن الإتباع مع التمثيل له، ولمن يفوته أحد الجزأين قد يُغنيه أحدُهما. وألتمس العذر من القارئ الكريم؛ أنّ هذا المقالَ أكاديميٌّ، فقد يكون صعبا على غير المتخصصين في علوم اللغة. علما أنه علمٌ شيقٌ وفي دراسته متعة.
الإتباعُ في معجم المصطلحات الفقهية: هو توالي لفظين يتفقان في الوزن والرَّويّ بقصد التزيين وتقوية المعنى، والثَّاني بمعنى الأول، أو غير ذي معنى، ولا يُستعمل الإتباع منفردًا، وقد تأتي بينهما واو العطف أوْ لا تأتي: كقولنا: (حسَن بسَن)، (خبيث لبيث)، (شاطر ناطر). ومع الواو (طنه ورنه) وهكذا.
أدرَج بعض اللغويين الإتباع؛ أنه من أنواع الترادف اللغوي الدلالي، ألَّف أبو الطيب اللُغوي (المتوفّى: 351هـ) كتابا كاملا سماه "الإتباع والتوكيد"؛ والإتباع عنده يعني؛ تأكيد الكلمة بضم كلمة أخرى إليها، لا معنى لها في ذاتها، غير أنها تساويها في الصيغة والقافية، بغرض الزينة اللفظية، وتأكيد المعنى، ومن اللغويين من جعل الإتباعَ: ما لا يدخل عليه الواو نحو قولهم: عطشان نطشان، وشيطان ليطان، والتوكيد ما دخل عليه الواو نحو قولِهم: "هو في حِل وبِل"، و"أخذَ في كلِّ حَسَن وبَسَن". والكلمة الثانية "مريئًا" في القول "هنيئًا مريئًا"؛ تسمَّى كلمة الإتباع، والكلمة الأولى "هنيئا" تُسمَّى المتبوع. وجعل بعضهم الإتباع؛ الكلمة التي لا يفهم معناها، مثل "نفريت" في قولنا "عفريت نفريت". والإتباع هو الصيغ الوصفية التي تتبع الكلمة بلا رابط، على حين؛ الصيغ الفعلية التي ترتبط بالكلمة الأولى برابط، أو تكون وحدها جملاً مستقلة تسمّى بـ "المزاوجة". وألَّف في هذا المجال أحمد بن فارس (المتوفَّى: 395هـ) كتابًا سماه "الإتباع والمزاوجة" أو المحاذاة الصوتية وهو مرتب ترتيبًا هجائيًا حسب الأصل الأخير من الكلمة، ولذلك عدّه بعضُهم من المعاجم اللغوية؛ ولعلَّ ابنَ فارس أولُ مَنْ استعمل هذا المصطلح في العربية، وقد عقدَ له بابًا في كتابه الصاحبي سمَّاه "باب المحاذاة"، وعرَّف المحاذاة بقوله: أن يُجعل كلامٌ بحذاء كلامٍ، فيُؤتى به على وزنه لفظًا، وإن كانا مختلفين، ومثَّل لها بقولهم: "الغدايا والعشايا"، فقالوا: الغدايا لانضمامها إلى العشايا، والغَدَاة لا تُجمع على الغدايا، وإنما تُجمع على غَدَوات لا غير، ولكنهم كسَّروه (جعلوه جمع تكسير)؛ ليطابقوا بين لفظه ولفظ العشايا، فإذا أفردوه لم يكسِّروه. ومثَّل لها أيضًا بقوله عليه الصلاة والسلام يُعوِّذُ الحسن والحسين: ((أُعيذُكما بكلمة الله التامَّة، من شرِّ كلِّ سامَّة، ومن كل عين لامَّة))، فالسامَّة اسم فاعل مِنَ الفعل الثلاثي سمم: سَمَّ، واللَّامة من الفعل الرُّباعي "ألمَّتْ"، وكان القياس يقتضي أن يقول: مُلِمَّة، ولكن لما قُرِنَتْ بالسَّامَّة جُعلت على وزنها. وقال ابن فارس: ونحن نذهب بتوفيق الله إلى أن إتباع ما لا يختص بمعنى ويمكن إفراده - بمعنى إذا نطقنا بها وحدَها لا يفهم معناها-. والتوكيد ما اختص بمعنى وجاز إفراده به ويفهم معناه، ويدلُّ لهذا قولهم: هذا "جائع فائع"، فهو عندهم إتباع، ثم يقولون في الدعاء على الإنسان (جوعا وبوعا)، فيدخلون الواو وهو توكيد، ومع ذلك إتباع. والبوع: عظم يلي إبهام الرجل، والمقصود ظهور عظامه من الجوع. ومثلها يقال في العاميّة دعاءً على من أكل حقه: (نارْ وسعارْ). وذكر ابن فارس أمثلة من غير رابط: عفريت نفريت، وخراب يباب. ومن الأمثلة التي جاءت برابط: "لا أهاتيك ولا أواتيك" وما أُهاتِيك؛ أَي ما أَنا بمُعْطِيك، ولا أواتيك؛ بمعنى لا آتيك هذا العام ولا القابل، أو كقولنا: وما عنده غيض ولا فيض؛ أي لا كثير ولا قليل.
وقال الآمدي: التابع قد لا يفيد معنى أصلا، ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: "بسن" في قولهم: "حسن بسَن"، فقال: لا أدري ما هو. وكذلك "نفريت" في "عفريت نفريت". والتحقيق أن التابع يفيد تقوية المتبوع، ولم تضعْهُ العربُ عبثًا. وأزيدُ على ذلك أنَّ كلمة الإتباع، كلمةٌ مساعدة يرتكز عليها القائل بهدف الزخرفة اللفظية، وتقوية وتأكيد المعنى. وقيل يكونُ الإتباعُ للكلمة، ولا معنى لها غير التبعية. ومن خلال الأمثلة، أرى أنه يجوز الإتباع مع الواو وبدونه، وحسبَ الموقف، وقد حسُنَ الإتباعُ بدون الواو، مثل: "خِته مِته، شِيلهْ بِيلهْ"، و " أخذَ فلان في كلِّ حَسَنْ بَسَنْ"، وحَسُنَ الإتباعُ مع الواو، مثل: " طَنّهْ ورَنّهْ “و "هَشْ ونَشْ" و "هو في حِل وبِل" أي حلال. وسنفرد الأمثلة في الجزء الثاني إن شاء الله.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
د. إبراهيم نمراوي...
 0  0  82
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر