×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

رحلة داوتي إلى مدينة حائل... "حمى قفار والوسيطا وموقق"

يقول الرحالة داوتي :
_نزلت من فوق ذلك الجبل ( السمراء ) بصحبة اولئك الشبان ، وعزموني على وجبة الظهيرة المكونة من التمر الذي ارسل اليهم في الحقول ، وبالقرب من المكان الذي كنا فيه ، رايت شارعا من الجدران المتداعية والمنازل الطينية ، كنت شاهدت ايضا اساس بيت قديم ضخم مبني من ( اللبن ) لم يعد الناس يستعملونه بعد في حائل ، كانت ( شمر ) قد اسسوا تلك المستوطنة منذ زمن بعيد ، والبعض منهم يقولون ان المكان كان يطلق عليه في بداية الامر اسم ( الحَيْر ) بسبب وفرة المياه الجوفية فيه ، ومع ذلك فقد ورد ذكر اسم حائل في قصيدة عنتر القديمة ( امرؤ القيس ) ، وعلى حد قولهم هنا : فان مدينة حائل نقلت من هذا المكان بسبب انخفاض المياه الجوفية شيئا فشيئا ، كانت حائل خلال الجيل الماضي ، اي قبل بداية حكومة آل رشيد ، عبارة عن واحة لا يزيد حجمها عن نصف حجم قفار ، التي هي موقع ممتاز بحد ذاته ، ومع ذلك فان حائل بلدة عبدالله ابن رشيد عندما اصبح محافظا على غربي نجد في ظل الحكم الوهابي ، كانت هي دوما العاصمة ، والمدن المجاوره لحائل في هذه الايام تكاد تتساوى معها ، وقد قدر عدد سكان حائل بما يقترب من ثلاثة الاف نسمة ٣٠٠٠ ، والناس هنا يقولون ان سكان قفار الذي هم من بني تميم ، وكلهم تقريبا من المزارعين يزيد عددهم قليلا عن سكان حائل وبينما كنت اعود الى بيتي من ناحية البوابة الشمالية ، مررت على ضاحية مهمة يطلقون عليها اسم ( الوسيطا )والتي يفصلها مجرى السيل وحقولها عن مدينة حائل ، قيل لي انه منذ سنوات قلائل كانت في هذا المكان ، المهدم حاليا ، اربعين قهوة ، بمعنى انه كانت تعيش في هذا المكان اربعين اسرة ، كان اصدقاؤها يترددون عليها يوميا طلبا لشرب القهوة .
الوسيطا في الوقت الراهن ،ليست سوى اطلال بلا سكان ، هذا يعني ان اهل الوسيطا ( شأنهم شأن اهل المناطق المدمرة من قفار ، والمناطق المدمرة من قرية موقق ، ماتوا قبل سبع سنوات بسبب الطاعون الذي يطلقون عليه اسم ( الوباء ) شاهدت حوائط منازلهم المبنية من الطين بلا سقوف ، وقد اوشكت على السقوط ، نظرا لنزع الاخشاب منها ، هذا يعني ان الناس هنا ، هجروا حقولهم وتخلوا عن آبارهم ، يضاف الى ذلك ان ملاك وورثة واصحاب هذه الارض قد تخلوا منذ زمن بعيد عن اعمال السقاية والري الى حد ان النخيل جف وذوى ثم مات ، وتلك قلة قليلة من اشجار النخيل ، ولكن اعرافها ليس فيها اي اثر من آثار الاخضرار ، وقدرأيت بعيني قبل ان اغادر حائل ان الناس قد قطعوا تلك السيقان الميته ، وتحولت التربة من جديد ، الى انتاج الحبوب ، مات ثلاثمائة شخص في منطقة الوسيطا ، وفي حائل ، مات من كل اسرة فرد واحد او فردين ( اي ان اجمالي الوفيات كان يتراوح بين سبعمائة وثمانمائة متوفي ) ولكن الان ، وبفضل من الله ، هؤلاء هم الاطفال نُشْئوا واصبحوا يملأون غرفهم ، ولم يعد احد من الاسرة المالكة التي كانت تتغذى تغذية جيدة ، كان البدو الذين يزورون حائل ، خلال فترة ذلك الوباء ، يموتون اسرع من اهل المدينة نفسها ، ومع ذلك كانت العدوى في الصحراء اخف بكثير جدا ، ولم تعم منازل البدو على شكل وباء فتاك ، كان ذلك المرض يصيب الامعاء والراس ، بعض الناس كانوا يموتون في يوم الاصابة والبعض الآخر كان يستمر فترة اطول من ذلك ، كانت اعراض الاصابة بالطاعون عبارة عن بقعة سوداء تظهر على الانف ، وحدوث تغيير في لون الاظافر وكانت الآلام تشبه الآلام الناتجة عن الاصابة بالكوليرا ، وبعد الطاعون اصابت البلد حمى دامت عامين ، الى حد ان اولئك الذين بقوا على قيد الحياة بعد الطاعون كانوا يحملون جثث الموتى على الحمير ( بعد ان خارت قواهم وعجزوا عن حمل جثث الموتى ) في ذلك الوقت ، كان واحد من الحضر قد جلب بعضا من ( الكنين ) من الشمال وراح يبيع كل عشرة او اثني عشرة ذرة بخمسة ريالات لكل من يطلب ذلك الدواء ، وقد اخبرني ذلك الحضري ان ذلك الكنين عندما يتعاطاه المريض بعد جرعة مطهرة من الملح الانجليزي ، يشفيه من الحمى ، هذه الوفيات الكثيرة حدثت في عهد الامير بندر بن طلال ال رشيد ( ١٨٧١ - ١٨٧٣ ) ، اي قبيل بداية حكم الامير محمد بفترة وجيزة ، والناس هنا ينظرون الى عهد الامير محمد باعتباره عهدا زاهرا ، وانهم لم يشهدوا له مثيلا من قبل ، ولم تحدث خلاله اية كوارث عامة ، والآن تشهد السيادة الشمرية قمة نضوجها ، وبعد هذا النضوج السريع الذي قد يتحول الى تحلل سريع على ايدي بعض الناس الذين ليست لديهم القدرات او المواهب التي تمكنهم من ادارة ذلك الذي جرى الحصول عليه عن طريق العنف القتالي ، او عندما ينحسر عنهم من هذه الدنيا ..

اختيار ونقل / سعود بن مشعان الدخيل
حائل ١٤٤٢/١/١٠ هـ

----------------------
من( كتاب ترحال في صحراء الجزيرة العربية / الجزء الاول - المجلد الثاني صفحة 472 / الرحالة تشارلز داوتي - طبع المجلس الاعلى للثقافة بمصر )
 0  0  215
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر