×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

نموذج التاجر الحائلي ... سيرة عطرة ، وتاريخ

ماضي الامة يقوم على دعائم من الدين والمدنية ، ولما انحطت هذه ، ضعف الدين نفسه ، ومناط قوة الدين النفوذ الى لبابه ، لا الاكتفاء بالبعض وترك البعض الآخر ، وجوهره وقيمه يتجلى في المعاملات ، اكثر من تجليه في العبادات ، والمعاملات تتعدى فائدتها الى المجموع ، والعبادات مقصورة منافعها على الفرد ، وما لا يقوى لا يضعف ، وما لا يزيد ينقص ، وليس للارتقاء حد ، وكذلك القول في الانحطاط ، حياة الفقر الشريف قاساها الآباء ، مع النزاهة ، و قوة الحق ، ومتانة المبدأ لهي النعيم كل النعيم ، والمستقبل البعيد الرغيد لكم ولذريتكم ، فلا تفتننكم عن اخلاقكم البوارقُ الفاتناتُ ، ولا تزعزعنكم عن سواء السبيل اعاصيرُ الشهوات ، ولا تسلبنكم عقولكم وسمعتكم ونزاهتكم خُلَّبُ الوعود الطائشة ، فالمال الى فناء ، والجاه الى فناء ، ولا بقاء الا للاحدوثة الحسنة ، الحياة منذ الابد فسيحة للذين يبصرون آفاقها ، والارض منذ القدم غنية للذين يستطيعون ان يستخرجوا خيراتها ، ولم يأت جيل من البشر الى هذه الدنيا الا ليجد فرصة تنتظره في ميادين النشاط التي لا يمكن ان تخمد ما بقيت الحياة الانسانية ، فالحياة على قدمها تتجدد ، وانما لكل جيل من الاجيال المتعاقبة ، والآفاق المشرفة تتجلى دائما لكل من يريد ان يرتاد مطالعها ، ما دامت نفوس الناس وطبائعهم تحتفظ بالجذوة التي وهبها الله للجديرين بالحياة .. حياة المرء جزء من حياة امته ، وحياة امته متصلة الحلقات بحياة المجتمع الانساني ..
في حائل رجال سمعنا ، وقرأنا ، وعاصرنا ، كل منهم احسن وافاد ، وأبلى واجاد ، مصدر نعيم مقيم ما دام حياً ، ومُتَفَجّر خير جزيل لنفسه ، وذريته وآله وعشيرته وامته وانسانيته .. حياة مترعة بشتى المواقف المشرفة ، ومئات الشواهد بما في مقدور العضو النافع من خدمة المجموع خدمة خالدة ..
فحياة التاجر الحائلي " عبدالعزيز بن سليمان العريفي " درس خصيب في فلسفة الحياة العاملة الرشيدة ، قمين بانعام نظركم ، وحصاة تفكيركم ، ومتحفز همتكم ، ومتوثب ارادتكم ، درس قيم خالد من فلسفة العمل التطبيقي المثمر في الحياة ، كله نور وهدى
كلمة مقتضبة الى ارواح اولئك الرجال الذين كانوا شركاء في اعباء هذا الموطن وارزائه ، ويمنه وعنائه ، اعترافا بما لهم في اعناقنا من دين عظيم ، ودرس ثمين ، وفضل جسيم ، ووطنية صادقة ووفاء ، برزوا في ميادين الحياة المختلفة في حائل ، فكانوا تاريخا مشرفا حروفه النور الساطع الباهر .. وفي صفحات كتب التاريخ العربي نجدها عبارات وصفية وآيات باهرات من الثناء والتقدير والاشادة بالفضل ، فنوهوا بماضيها المجيز ، وحضارتها الأثيلة ، كمركز حضري في شمال الجزيرة العربية ، وفضلها على مدنيات العصور الغابرة ، واذا كانت حظيت من قبل بمثل هذه الاشادة بمكانتها العريقة ، وماضيها المؤثل في بعض المباحث التاريخية العربية الجليلة ، فانها لم تحظ من قبل بمثل هذا التقدير الاجماعي المؤثر من اعظم الرحالة الذين زاروا منطقة حائل ، وكتبوا عن رحلاتهم .. برز التاجر الحائلي بصفات الامانة ، انها شعاره في الحياة ودستوره الذي يؤمن به ، ورأس ماله الذي يعتز به ويقايض .. الامانة لدى الحائلي الاصيل والعريق صفة ملازمة له ، يؤمن بانها اساس نجاحه في الحياة ، ورأس ماله الخلقي الذي يفوق راس ماله المادي وهو يؤمن ايمانا لا يرقى اليه الشك بان الامانة تشبه الثوب ذا البياض الناصع ، اقل لوثة من الوسخ تدنسه وتشوه منظره ، يبيع ويشتري وخلقه الدين الحنيف ..
المرحوم عبدالعزيز العريفي ، ابو الايتام ، ونصير الضعفاء والفقراء والمساكين ، في دكانه ( بسوق المسحب ) بمدينة حائل مكبا على دفاتره وسجلاته وامامه الميزان والفاتيه ، حين طرقت عتبة الدكان حذاء التاجر النجفي ، فرفع عينيه ليبصر باهتمام ، وهو يساومه في شراء بضاعة ، عنده ، جليلة تملأ دكانه والمخزن :
- فرصة طيبة لأُحييك ، ابا سليمان ، ولاكون في خدمنك ، وشكره في اقتضاب ، وبقي يصغي الى مساومته .. غير انه لم يوافق على عروض النجفي ، والقصة قديمة ومعروفة .. فما ان توارى النجفي بلا شراء .. حتى اضمر ابو سليمان في نفسه البيع والموافقة على العرض ، ينتظره ليعود ، .. غابت الشمس وحل المساء ، واقفلت الدكاكين ، وطبت الحدرة من العراق ، وفي اخبارها قيام الحرب العالمية الاولى ١٩١٤ م ، ومحاصرة الحلفاء شواطي اللجزيرة العربية ، وبذلك ارتفعت اسعار السلع بعشرات المرات ..
العريفي التاجر الحائلي من اهل الفضل الشائع ، بارع محسن ، متين الدين ، ورع في حياته ، يعيش بكد يمينه ، وعرق جبينه ، كان في طليعة الرواد الحائليين الى ميدان التجارة والاستيراد ، في " سوق المسحب " وكان له نصيب مشكور وافر في القيام على الشأن الاجتماعي والاحسان الخيري ،
عقد العريفي النية على البيع وكلمته وضميره ميثاق شرف ، اخرج هذه البضاعة من ذمته ، لذمة النجفي ، وان كان البيع احد القبضين ، فبعد ثلاثة ايام مر النجفي من امام دكان العريفي ، فاستدعاه ، وفاجأه بكلمة :
- تلك بضاعتك نصيبك ، انقلها .. فلم يطق النجفي صبرا ان قال :
- ابو سليمان ! يرحمك الله ، أ انت خرّفتَ ؟ ارتفعت الاسعار عشرات المرات ، والحرب ، والحصار ، .. فقاطعه بحسم وبلا تردد :
- البضاعة بضاعتك ، انعقدت النية ، هي رزقك ، ورزقي على الله ،
- لله ، ابو الايتام ، من مغامر متدين ، حمى تجارته من الانهيار بالدين وامانته ، ووقف في ذلك الزمن الى جوار الفلاحين فحمى مزارعهم بالمقايضة ، وحماهم في وقت المحنة ، فحفظ لهم مزارعهم واستمرارهم ، واثبث بالدليل القاطع ان الرجال معادن . وفي قراءة سريعة الى شخصية التاجر الحائلي فانه انسان ممتازا له خلق وقيم وشخصية واضحة المعالم ، ابرز ما فيه نشاطه وتواضعه ، والوقوف عند كلمته بلا تغيير ، وقد عرف بالوفاء ،وطيبة النفس ، وقوة الايمان بالله ، وقف في القديم على عون الفلاحين والبؤساء ، تلك صورة من مواقف كثيرة مشرفة تتجلى لدى التاجر الحائلي الامين ، وبعض جوانب من مظاهر نشاطه .. ومجال القول فية ذو سعة ، ولن يقف الحديث عنهم حينما نكتب ونصور اليوم ، فالمادة وفيرة ، من تاريخ وذكر خالد ..في سيرهم عبرة ، وفي نشاطهم الطيب نفع كبير للجميع ، تغمده ، وتغمدهم الله برحمته ، وجزاه عن اعماله خير الجزاء ، وانما هي سطور ممتعة لا شك في ذلك ، وهي لازمة لكل انسان ، فالدين المعاملة ، ولا سيما شباب حائل وهم احفاد اولئك ، الذي يتطلع دائما الى المجد ، فحياة كل واحد من تجار حائل الماضين ، وتعاملهم يستغرق الكتابة عنها اكثر من مجلد ضخم ، ولكنه الالمام السريع بحياة مَثَلٍ واحدٍ من اولئك العظماء حاولت ان اعطي فكرة سريعة .. فكرة لا تتجاوز هذه السطور ..

سعود بن مشعان الدخيل
حائل ١٤٤٢/١/٣ هـ
 0  0  171
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر