×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

النزهة .... زمن الوباء

الذكريات هي الحياة ، هذا السجل الذي يطوينا ويطوي صفحاته كل يوم ! ولعلي مصيب كل الاصابة ان انشر للجيل الجديد من الشباب ما عرفته ، وشاهدته ، وقرأته ، ومحصته ، عن انوار تاريخ مضى ء لرعيل مضى وهو اليوم في ذمة التاريخ !
.. عندما تذكر الامراض المستوطنه ، والاوبئة التي حلت بنجد سنة ١٣٥٨ - ١٣٦١هـ وحصدت الناس في المدن والارياف ، والتاريخ الحافل بالتضحيات والبطولات ، يذكر الاعلام الابرار ، الذين كانوا بعيدي الاثر ، في الاصلاح والتطوع للخير ، جواد بكل ما يملك ، ولو ادى به الى " شروى نقير "
.. يُذكر الماضي ، فيذكر التاجر الحائلي / سالم بن حسن النزهه - يرحمه الله - فالامانة والحمية صفة ملازمة له ، يؤمن بانها اساس نجاحه ، ورأس ماله الخلقي ، الذي يفوق رأس ماله االعادي المحدود أوان ذاك ، انه علامة على طريق الخير ، نذكره اليوم ونتفكه أنسا برسالته ، لانه الرجل الذي اوقف ماله على النفع من الجميع... فالناس كإبل مائه لاتجد فيها راحلة .. انهم كثير ، ولكن قل منهم من يكون فيه خير .. ذكرت ذلك مابلغني علمي وانتهيت الى معرفتة ، فالتهكم على النفس في عز المحنة ، وقَدْعُها عن الجموح والطمع هو عين القوة ، وفيه مادفع الى الاصرار على التضحية ، بدلا من اليأس والتراخي والانهزام.. التبرع لوجه الله الكريم بكل ماله ، اتخذه سلم يقتحم في اموره ليصل ، وقد رزقه الله مستودعات ملآى بقماش خام ثخين هندي غصت به مستودعاته استورده من العراق عبر القوافل ، أفرخ روعه ، فتح للناس ابواب متجره مجانا ، بينما ندم غيره ندامة الكسعي...
الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعا حرّاصاً على هذا النحو من الحرص ، بخلاء الى هذا الحد من البخل وانما جعل منهم بين حين وحين من لايكره الغنى .. ولكن تاجرنا على ذلك لايفنى فيه ، ولايتهالك عليه ، ولايتخذه غايه ، وانما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه ، وينفع بها اهله ، وينفع بها ذوي قرابته ، وذوي مودته.. وينفع بها اكبر عدد ممكن من الناس حين يتاح له ان ينفع اكثر عدد من الناس..
التاجر سالم الحسن النزهه ، يرحمه الله ، من هؤلاء الاجواد الاسخياء ، عزاء عن الحرّاص البخلاء ، الذين يُلْقُون في روعك ان الانسانية ليست شرا كلها ، وان حياة الناس قد تكون صحراء مقفره مجدبة ، شديدة العقم ، ولكنها على ذلك لاتخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين ، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر واضناه الجهد ، ان يجد فيها الظل والماء ، ومن الراحة والروح ماينسيه بعض مااحتمل من المشقة ، ويعينه على احتمال مايلقاه من الجهد ، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة ، ولولا هؤلاء الاجواد الاسخياء لكانت الانسانية خليقة ان تبغضها اشد البغض واعظمه شناعه ونكرا.
الوباء في حائل يحصد الناس في المنازل والطرقات ، وحائل وماحولها من سكان القرى وبدو الصحراء جثث هامدة.
يهب سالم فينفق في سبيل الله كل تجارته اكفاناً للموتى هذا طريق الله الذي يريده ، ويثيبه عليه ، ويحسن مجازاة من سلكه .. أ لا في سبيل الله ماهو صانع ! على باب متجره بالمسحب والناس يتزاحمون في نداء واحد
- اعطني كفناً
- اعطني اثنان
- اعطني عشرة اكفان
الله اكبر ! وهو بقامته الفارعه الطول ، ممسك بحبل يتدلى من اعلى باب المحل والعمال خلفه يزودونه بالمطلوب من الاكفان..
ترى الفتيان كالنخل ، ومايدريك ماالدخل ، الحُرُّ حُرٌّ هب ، وان مس الضر فلا ضر .. يلبس لكل حال لبوسها ، حسبه مابلغه ، ومايراه في الطرقات من موتى ، فالوباء اضرعه الى الجود في كل ما يملك ، والزهد في مالديه.. صادف درء السيل درءا عزيمة خير ، وتصميم يدفعُه ، صرُح المخض عن الزبدة ، بل عن الشر الواقع يفتك بالناس ، شعاره :
" في طلب المعالي والاجر يكون الغنى "
قد كان ذلك بيعاً وتجارة امس ، فاليوم: لا لا ، وانما تجارة مع الله .. انه التاجر سالم مَثَلٌ من امثلة الخلق ، والكرامة ، والانسانية ، نموذج من نماذج المجاهدين باموالهم وانفسهم في سبيل الله ، سيكون دائما من الوجوه الحائلية التاريخية المتألقة ، القدوة التي يتطلع اليها الجيل الجديد
حدث هذا في حائل قبل ثمانية عقود من الزمن ، اكتب سطوره وقد عشت بُعيد حوادثه وجها لوجه ، وشاهد عدل ، واقتبست بعضها من الثقاة ، ما رواه لي احد تجار " سوق المسحب " الاصيل ، العريق باخلاق تجاره ، ومثلهم العليا ، وتقاليدهم ، وقد تبدلت الحال ، ولله الحمد ، الى الاحسن اليوم ، ، وتظل التضحية عند التاجر الاصيل العريق رأس ماله الذي لا بديل عنه ..
رحمك الله ، يا ابا الإحسان والمآثر ، فالناس بخير ما تباينوا بحيث يكون فيهم الرئيس والمرءوس فاذا تساووا هلكوا ..

سعود بن مشعان الدخيل
حائل ٢٨ شعبان ١٤٤١ هـ
 0  0  1341
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر