×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

عبدالله البكر .. قمة لغوية شامخة

من بواعث اغتباطي ، بل شرف كبير ، الحديث عن استاذنا الجليل العلّامة الشيخ / عبدالله بن تركي البكر ، امام في النحو واللغة واشعار العرب وايامها واحوالها ، كامل الفضائل ، متضلع من الادب ، جاء على قدر ، وسبق الى نيل العلم وابتدر ، واستيقظ لدراسة لغة العرب والناس نيام ، وورد ماءها وهم حيام ، وتلا من المعارف ما اشكل ..رايتني نهبى خاطرتين متناقضتين ، شتان ما هما ؛ تناكر غاية ، واختلاف سبيل ، فاما واحدة الخاطرتين فقد كانت تدفعني دفعا الى ان ارغب اليكم ، بله ان استجيب لرأيكم في الكتابة عن استاذي الجليل ، مثنياً عليه بما اخذ به نفسه من مطالعة الكتب ، وفقه الاساليب ، والتماس المفيد النافع من العلوم والآداب ، ثم بما تخيرته له عنايةُ الله تعالى من خُلُق رضي ، وعقل ذكي ، وغيرة مبصرة ، ووفاء لا اعلم الناسَ يعرفون له اشباها ، الا ان يحفوا التاريخ مساءلة وجدالا ، ويرهقوا الكتب بحثا وتنقيبا ، ولم تكن خاطرتي هذه تتغيا مما استشرفت له ورغبت فيه الا ان يخلد ثنائي عليه مع الاوفياء ، عرفانا لحقه عليّ ، وهو حق تزيده الايام ألقاً وجِدَّة ، وقضاءٌ لبعض دينه في عنقي وهو دين طال المطل به ، واستعجم الطريق الى قضائه ، وفرغت اليد من كل ما تقضي به الديون ، الا ان يكون نية معقودة على خير ، وعاطفة مطوية على ود ، وكلمة متألقة بثناء .. واما ثانية الخاطرتين فقد كانت تريدني على ان اخالف عن امركم في تقديم استاذنا اليكم ، وكنت بهذه الخاطرة ارى ان الحديث عن الاستاذ كالحديث عن النفس ، كلاهما دقيق المسالك ، عصي القياد ، بين هاتين الخاطرتين اذن الله بالنجاء على يد حكيم قديم حفظت عنه فيما حفظت قوله : ( اذا سنح لك رأيان فخذ بابعدهما عن هواك ) وقد كان هواي ، علم الله ، ان ادع الحديث عنه لغيري ، فمبلغ علمي باستاذي انه يتأذى بالحمد ، ويضيق بالثناء ، وما كنت لأكون سببَ اذى له او حرج وهو الذي مهد لي في صدره اوسع مكان .
- [ ] تجاه هذا الدافع ، شعرت بمزيد من المسئوليه والواجب نحوه وفاء لدين والحديث العابر عن حياته وابداعه لا يكفي ان يقوم به كاتب او متحدث ، في رايي انه واجب وذمه في اعناق الباحثين لدى كل مناسبه سانحة فما زالت المملكة تنجب العبقريات والاعلام وتُنبت النابغين وتشع منها انوار العلم والمعرفة ، يفخر بهم الوطن ويعتز المواطن وحافز للاخرين على البذل والعطاء ، ولسنا في مجال تعداد العبقريات لانها ماثلة في الاذهان امام كل من درس التاريخ او ألم به .
- [ ] لست اعدو الحقيقة في شيء اذا قلت بان الاستاذ الجليل ابا تركي الذي يسعدنا ذكره وتذكره ليس بغريب على احد منا فقد ملأ الاسماع ، منذ بعيد ، صيتُ علمه ، وسرى الينا الحديث عن واسع فضله وعظيم خبرته .. وانه ليشرفني ان اتولى الحديث عنه ، جمعتني واياه التلمذة عليه فلمست عن كثب تلك الشخصية العظيمة العاملة المتواضعه ، خزانة الادب ؛ اطلاع واسع في اللغة العربية وفي علومها ومدارسها بصفة عامة وتأصيل للمسائل في حذق العَالِم الثَبْت المتبحر ، واصالة في الرأي فيما يدور حوله الخلاف من المعضلات النحويه ، وجهد متواصل في التعريف بفضل السلف العظيم من مدارسها .. شاء الله ان يستكمل استاذنا البكر دراسته وطلب العلم في الرياض عاصمة الملك وهو في ريعان الشباب وتفتحت امامه ابواب فسيحة للدرس والبحث في علوم العربية وآدابها ، وما ان اتم مهمته حتى عاد الى مسقط رأسه ( مدينة حائل ) ليؤدي رسالته ، فقام بالتدريس في معهد المعلمين الابتدائي وامضى في مدارس المنطقة نحو عقدين من الزمن .. لله ابا تركي ! حياة علمية خصبة بالفكر والادب والتاريخ واللغة ، دافع خلالها عن الامة العربية وعن لغتها العربية التي انزل بها القرآن الكريم ، وتاريخها ، وانفق وقته كله في التنقيب والقراءة في الادب واللغة يغرف علمه من مكتبة مختارة ضمت الوانا من كتب صفراء وبيضاء يساعده على ذلك عقل مستنير وعاطفة متحمسة ، ومعظم اهتمامه ينحصر في اصلاح المجتمع وحرية الوطن وإنشاء جيل متحرر ، مستقل الرأي ، قوي في ايمانه ، سليم في اخلاقه ، يدعو الى الخير والتآخي والمحبة ، فهو رجل قدوة مستقيم الاخلاق ، شديد الايمان بالله يعشق كل ما فيه خير الامة وصلاحها ويدعو باقصى ما يستطيع الى التمسك بهذا المبدأ ، وينهى بكل ما يملك من قوة عن التحلي بالاخلاق الذميمة والصفات التي يرفضها المجتمع الصالح النموذجي الشريف ، دُعِي بالحاح الى ان ينتقل الى ديوان وزارة المعارف بالرياض ولكنه اعتذر واصرّ على ان يخدم وهو في موقعه بعيدا عن الانظار واضواء الشهرة .. ووزارة الاعلام التى اورق صيادها في قنصه اليها بعد تلك الكلمة الخطابية التي القاها امام جلالة الملك فيصل ، خطيبا وناطقا بالنيابة عن الاهالي اوائل عام ١٣٩٣هـ .

اللواء سعود المشعان
 0  0  357
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر