×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان المناحي

تجار بحائل قدماء ومجددون /١

الحديث عن اسواق منطقة حائل في عصر ما قبل ١٣٩٠ هـ حديث فيه متعة للنفوس ، وفوائد للعقول ، يعود بنا الى المجتمعات العربية القديمة ، فيعرضها امام اعيننا صورا تنبض بالحياة ، وتزخر بالصخب ، فنراها كما كانت ، ونعيش احداثها مثلما عاشها اجدادنا الاولون ، في تلك العُصُر الغابرة ، ولعل في ذكرها ، والحديث عنها ، استحضار صورا زاهية ، فيها من الطرافة ما ينتزع اعجابنا ، وكثيرا من احترامنا وتقديرنا ..
رحلات تجار ، هم رحالة تجوب الفيافي ، ويعود الينا الشخوص بالبضائع المتنوعة ، فضلا عما يقوموا به من وصف للبلاد التي شاهدوها ، واخلاق اهلها ، ومعالمها ، ونظمها ، وثقافاتهم ، فهي من بعض الوجوه اذن قصص جغرافية ، في حين ان الغرض الحقيقي انما هو التجارة والوفرة ، والكسب الحلال ، للمال والمعرفة ، وسرد الحوادث التي ملأت فراغ طريقه ، وينبغي ان نلاحظ ان اولئك الرعيل الاول ، يتحدثون بكل شيء : معالم المدن ، والطريق ، والجبال ، والبحر والمراكب ، والمعاملات ، والعادات السائدة ، ولواري الشحن بدلا من القوافل ( سفينة بَرٍّ تحت خدي زمامها ) ، انهم يتحدثون بصدق عن مغامراتهم ، فلم يحتط احد ان يخفي عيوبه وانكساراته ، او تبرير عمل خاطيء ، بتقديم دواع شريفة ، فهم ذوو شعور بانهم على الحق دائم .
ليس هناك اختصاص ! فالمجلوب الغذاء والحبوب والاطعمة والصناعات وقطع السجاد والنحاس والاخشاب والاقمشة والتوابل ، كان الاقبال من شباب المتاجرين فوق ما كان يرجى ، ولا سيما بعد عصر سيارات النقل ، لتعطش الناس الى هذه السلع .. كنت في جو من الغبطة والذكرى والتأثر لما استعرضت وفي الذهن حلقات من تاريخ مضى ، واين انقطعت كل حلقة ، ومتى عهدنا بوصلها ، فكان اول ما جال في الخاطر وانا في طريق الحجاز ؛ المدينة المنورة واسواقها ، وجدة ، وقهوة عطية ، وكيف كانت تزخر بالناس من تجار وصناع وادباء ، ولا ( قهوة الفيشاوي بمصر ) او ( قهوة عصمان بمكة المكرمة ) حين يتواعد الحجاج بالتواجد واللقاء عندها يوم لا جوال ولا هاتف ، عجبت لهذه الذكريات وقد اعاد الطريق لنا اسواقنا ، مع مراعاة الفارق بين الزمانين ..
لمنطقة حائل موقع جغرافي متوسط في الجزيرة العربية ، بين بلاد اعظم الدول ، واقدم الحضارات ، فلا بدع ان تكون التجارة من اول اسباب المعاش ، مكثوا عليها ، وتمادحوا بكسب المال الحلال ، يضربون في الارض يبتغون فضل الله من الرزق ، فعرفوا كثيرا من مدن العراق ، واقاليم الشام ومصر وفارس وتركيا واليمن والهند ، وكل بلد اختص بنوع من العرض والصناعة ، فيجلب منه .. ومما ضمن استمرار الحركة التجارية الداخليه والخارجية ، في جزيرة العرب ، اختلاف اقطارها ، هذا الاختلاف في المحصول الصادر والوارد ، وما احسن قول الهمذاني في ذلك :
ولولا ان الله عز وجل خص بلطفه كل بلد من البلدان ، واعطى كل اقليم من الاقاليم ، بشيء منعه غيرهم ، لبطلت التجارات وذهبت الصناعات ، ولما تغرب احد وسافر رجل ، ولتركوا التهادي وذهب الشراء والبيع ، والاخذ والعطاء ، الا ان الله اعطى كل صقع في كل حين نوعا من الخيرات ومنع الآخرين ، ليسافر هذا الى بلد هذا ، ويستمتع قوم بامتعة قوم ، ليعتدل القسم ، وينتظم التدبير .. قال تعالى ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا )..
فهو الحث على السفر في طلب المال والتجارة :

ساعمل نص العيس حتى يكفني
غنى المال يوما او غنى الحدثان
ساكسب مالا. او اموت ببلدة
يقل بها قطر الدموع على قبري
ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً
من المال يطرح نفسه كل مطرح
فسر في بلاد الله والتمس الغنى
تعش ذا يسار او تموت فتعذرا

مجمل ما اردت ان اعرض له من بيان اهتمام الناس بالتجارة ، ولم اقصد فيه الى شيء من التطويل ، وانما هي اضمامة اكتبها للحق والتاريخ ، وقد مضى على انقضاء تجارتهم عقود من الزمن الطيب .
 0  0  422
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر