×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
user1

الملق وهذه الصورة الشاعرية

بلادنا حائل نهفو لرؤيتها
فما يطيب لنا الا روابيها

.. لا اخفي عنك اني أُعجبت بمنظومة : ( اعلام من الجبلين ) فلا يسع من يقرأها ، الا ان يعترف بما انفق ناظمها الاديب الفاضل / عبدالرحمن بن عبدالله الملق ، من جهد صادق خصب ، صادق اللهجة والاسلوب ، واضح السنن ، صافي العبارة ، وقد وفق فيما حاول توفيقا يدعو الى الاعجاب ، وتستحق من القاريء ان يقف للنظم اعجابا واجلالا :
حُبُّ الديار وفاء من محبيها
بين الجوانح اشواق تناجيها
بين الجوانح ماواها ومنزلها
لله كيف حوتها في حوانيها
نهوى الديار وان شط المزار بنا
بها نهيم كما هامت ضواميها
بلادنا حائل نهفو لرؤيتها
فما يطيب لنا الا روابيها
جمال ابداعها يكسو مناظرها
سبحان مبدعها سبحان كاسيها
أنسامها من رفيف الدوح منعشة
لله عرف صباها في لياليها
تجري جداولها رقراقة عذُبتْ
بين الجبال إنسيابا من اعاليها
.. فحبه وشغفه وهيامه لارض الجزيرة ، وأُلفه لها ، وولوع نفسه بمراتع صباه ، وشبابه ، " الجبلين " وتلاعه وحدائقه الغناء ، وبلابله الشادية جدد ذكرياته بحق فضلها ألحانا تثير اشجان الصب ، وتبعث اطراب القلب ، بعبارات جلية سهلة ممتعة ، وبديهة رائعة ، وبلاغة بارعة :
تروى حدائقها الغناء زاهية
فيها البلابل تشدو في اغانيها
ظلالها وارفات ، والندى عبق
والورد يختال في ازيائه تِيَهاً
مروجها الخضر في ارجائها انتشرت
ترنو لها العصم في اعلى مراقيها
سقاك ، ياموطني ، هتان بارقة
يعشى ضياها اذا هلّت مآقيها
تهتز منه رياض الزهر باسمة
بكل لون توشيها أقاحيها
ترعى بها رغدا حولا سوائمها
خصبا وفيرا غدير الودق يسقيها
.. الباعث الاكبر لهذه القصيدة ازدراء بعض الشباب بالتقاليد العريقة ، والاستخفاف بالسنن الحميدة الموروثة ، والاكتفاء من جانبهم بالدون ، من التصرف على الهون ، او الاستعانة بانتهاز الفرص على احتمال الحياة بدعوى التمدن والتقدم والتطور الحديث ، وغيرة منه على شبيبة قومه بان لا تخدعهم ظواهر الامور عن حقائقها ، والعودة الى الاصالة ، على ان لا يفوت عليهم روح العصر ، بما يكفل لهم ان يتقدموا في ثقة مع المتقدمين :
لقد حوى جبلاها كل مكرمة
وكل ذكر شذى عبر ما فيها
أجا وسلمى هما رمزا مفاخرها
مناهل الجود لم تبرح بواديها
واذا كان الزمن يحول ، والمقاييس تتغير ، فلا ينسى الناظم ان يتحمل عناءالانطلاق بنا في رحلة عبر الماضي ، وليطلعوا على تاريخ السابقين وسِيَرهم ، وبطولاتهم ، حيث المثل العليا والامجاد :
حل العماليق دهرا في مرابعها
كانت لهم سلطة عمّت نواحيها
كانت لهم جولة في كل معترك
من الحياة لنا ، التاريخ يرويها
.. ويزداد اعجابا بعظماء عرب الجزيرة في العصر القديم ، فيمم اليهم راحلته قاصدا ، ولاخبارهم مقتفيا ، ولروايات آثارهم منقبا راصدا ، ومع ذلك اقتصرت على كل قريب معجب ، فاكتفى منه بالحديث المطرب من بني ثُعَل ، خير الناس كلهم جارا ، وأوفاهم ذمة وذمارا ، قريبون خيرا ، بعيدون شرا ، واجواد أوان بخل :
عمرو بن درماء زعيم القوم من ثعل
نوق امريء القيس يؤويها ويحميها
اكناف حائل مرباع يؤمنها
جو ، ومسطح كانا من مرابعها
تلوي ذفاريها فيها لحاديها
ذاك المجير وذاك الجار قد ركبا
صهو الجياد دفاعا عن مغانيها
قيس بن شمر ذو مجد مآثره
كان ابن حجر لنا في الشعر يحكيها
.. هكذا الشعر ، وهكذا الطبع ، وهذا الماء رقة وعذوبة ،والهواء لطافة وسهولة في هذا المعنى يشير الى قول امريء القيس بن حجر :
يا ثعل ، واين مني بنو ثعل
أ لا قوم يحلون الجبل
نزلت على عمرو بن درماء بلطة
فيا كرم ما جار ويا حسن ما محل
تظل لبوني بين جَوٍّ ومسطح
تراعي الفراخ الدارجات من الحجل
وما زال عنها معشر بقسيهم
يعدونها ، حتى اقول لهم بجل
فابلغ معدا ، والعباد ، وطيئا
وكندة ، اني شاكر لبني ثعل
أ رأيت اجمل من هذا الكلام ، وانفذ من هذه المعاني الى ضمائر النفوس ، ودخائل القلوب ، فهذه الطائفة من القيم الخلقية ، والجود والفروسية ، يتلو بعضها بعضا ، تاريخا يحكي التراث ، في ابيات نظم تجمع بين جدة الفن وروعة الادب واصالة التاريخ :
تلك البلاد بماضيها وحاضرها
في حائل في قراها في بواديها
قد انجبت كلها صيدا عمالقة
وللحنيفة والعرفان داعيها
.. وكان يجب ان نبسط القراءة ، ونعد اطراف البحث غير مقيدين بمساحة صحفية الى نهاية القصيدة ، لنقرأ اخلاق العرب ، واصول الفضيلة عندهم ، يدبجها يراع أديب متمكن بفنه وثقافته ، يُؤثر الصدق ادبا وسلوكا ونظماً ، ويستنكر الكذب ، ولا ينسى مآثر حكومتنا المنصورة ، منذ عهد جلالة الملك الراحل عبدالعزيز بن سعود يرحمه الله ، وحتى عصرنا الزاخر بالرخاء والامن الوارف :
في كل عصر ، وهذا العصر ابرزها
به الحضارات قد شادت مبانيها
في كل حفل ولاة الامر تدعمها
عمّ التقدم : قاصيها ودانيها
حكومة الخير بالاصلاح تشملها
شتى المشاريع في الاوطان تنشيها
نهج الشريعة نبراس لنهضتها
طابت مواردها ، طابت مجانيها
وليحفظ الله للاوطان قائدها
مليكنا فهد يرعى مباديها
فللتضامن منه ما يعززها
وللعروبة ما قوى تآخيها
.. وحسبي من كلمتي هذه اني اتجه بها تحية له ، واكبارا لادبه الجَمّ ، وغيرته على شباب الامة في عهد الثقافات المختلفة .

سعود بن مشعان المناحي
صحيفة الجزيرة الثلاثاء
٢٨ يناير ١٩٨٦ م
بواسطة : user1
 0  0  193
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر