×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
سعود مشعان مناحي الدخيل

على مائدة الافطار / ٤

شيخ العطارين بحائل
عبدالرزاق بن محمد السيف / ٢

بينما دكانة العطارة المجاوره بلا زبائن ، رأيت في صراحته وتعامله مع الزبائن ما جعلني حريصا في عملي على تلك الصراحة ،
يلوح لي في هذا الشيخ الانيق ان وَصْفَاته بها الصدق ، والعاطفة ، وخوف الله ، والمسؤولية الادبيه ، كالحزم ، والبر ، والنوال ، يهدي نصحا لتلك الام ، ويثور غاضبا على شيخ مسن قدم من الصحراء تفتك بجسمه الجراثيم والأوبئة والميكروبات ، فيهديه الى الطريقة ، ويدعوه الى ان يتحمم بالماء ، ويغتسل ، وينظف بدنه من الأوضار ، فالطهارة اولا والطهارة ثانيا ويعظه بحميمية : ( وانما امة محمد صلى الله عليه وسلم ينادون في المحشر : ياهل الوضوء ) ، ويقص على ذاك تجاربه مع الحقيقة ، مبدأه النظافة اولا ، والاستحمام ، والوقاية خير من عقار بدكانة عطار ، وتجديد الازياء من الملابس ، واتباع اساليب الحضر ، والحضارة ،
لنعم حكيم الزمان ، وعطارة صاحبنا هذا مستشفى ذلك الأوان ، لا متهاون عن السورة العليا في التوعية ، ولا متخاذل ، فالطب في البادية هو ابن الضرورة ووليد الحاجة ، فظروف العيش في القفار البعيدة المنقطعة عن العواصم هي التي جعلت البدو يعتمدون على العطارة في علاج ما يصيبهم من امراض او ما يصيب حيواناتهم منها وهذا الطب مبني على تجربة مقصورة على بعض الاشخاص وربما يصح منه البعض الا انه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج ..
وفاءً وتقديرا ، عشت قريبا من هذا الرجل ، دنوت منه متعاملا ، ونعمت بصحبته مستفيدا ، ، وهو من صفوة الصفوة ، جمع بين العلم والتجارة والتجربة ، وسداد الرأي والحكمة ، فلا ينطق بيوعه وعقاقيره الا عن عزيمة ، هدفه الاسمى الاصلاح ، والشفقة ، وخدمة الناس ، وسد نواحي علاجية كانت قاصرة ، قبل ان يكون هناك خدمات علاجية حديثة ، ومشافٍ ، ولقد سما برسالته عن التكسب والجشع والتلاعب بادواء البشر ، راعني منه ، فيما بعد اعوام ، الحرص والدأب على النصح برغم الشيخوخة ، وتقدم السن ، وربما كان الشيوخ اشد حرصا ، واكثر مواظبة ممن هم دونه سناً ..
فداك ابنه الحكيم عبدالعزيز ، فتى ، في روشته الصباح المرسله عبر الواتسب منه ، ذات فوائد قيمة لفصل الصفري ( الخريف البين بين ) ، فثمة حقيقة ليست اقل وضوحا وقوة من ( حكماء سوق البركة ) ، كل حاضر لا يتصل بماضيه لا مستقبل له البته ! فيتصل الروح الحائلي الحديث عبر رسالة الصباح بالروح القديم ، يوم كانت الحياة مباركة تدب في سوق البركه مع تباشير الفجر الاولى .. تتابع هذا الوحي والالهام على تعاقب العصور فجاءنا الدكتور الحكيم عبدالعزيز على قدر .. يطرح التفرقة بين حضارة مادية وحضارة روحية ( اي عقليه ) درسها لدى حكماء اليونان ، حين كان طالبا يتابع دراسة الطب البشري بجامعاتها هناك ، يقرر ان التاريخ العالمي حتى في الصحة منقسم الى حضارات متباينة مختلفه على نفسها ، بين الدواء الكيميائي والاعشاب المقننه ، والتي تضمهما معا كل صيدلية في دولة الصين ، والويل والقتل المحقق لصيدلي يجرؤ على صرف علاج بلا روشته ، رغم التقدم الهائل في وسائل التواصل والتخاطب بين الناس .
حياك الله ، صاحبي الحكيم عبدالعزيز الابن ، جادلتنا امس فاكثرت جدالنا ، ، واما نحن فتركنا الاطباء وما يقولون وما به يتوعدون ، وفي هدوء الباحث المجرب ، واتزان الناظر النزيه ، لن يخرج النظر في الشتاء عن غير اسواق العطارين ، وكنت قبل ثلاثة عقود من الزمن احمل في حقيبة السفر ايام الخدمة الى خارج الوطن كستوكهولم ، وترنتو ، ولندن وكالغاري في غربي كندا ( المُرَّة ، والانزروت ، وهدب الاثل ، والمحلب ، وال Pariet )
لا تدهش فالمجادلة حين رايت قبل مدة عطارا بسوق مفرح بحائل كتب على زجاج فترينة دكانه : ( شيخ العطارين بحائل ) ازدلفت الى الداخل وجادلت ( البائع الغريب الطاريء على سوق حائل ) ، مصححاً ، بحثت معه وبينت الصواب في ان ( عبدالرزاق شيخ العطارين بحائل ) واول محل للعطارة بعد عطارة المرحوم عبدالرزاق بن محمد الخليفة ، استاذ عبدالرزاق حقا وحقيقة ، ووجه الخطأ عندي في انتحال غيره ما لا يستحق .
والآن فلننظر في شيء من التروي والإمعان الى هذه المساعدة من الحكيم ، ولنبحث معك هل تدوم بالروشته ، كل شروق ، فاحب الاعمال الى الله ادومها ،
ولكن ما رأي الحكيم في قهوة الصباح العربية من البن الهرري وقدوع الشهوة بالتمر ، يتبعها : جفان خبز رغفان مدفقة ثرداً بزيت الزيتون المبصل ، والمقشوش من عجينة البر المخمره ، وحليب نيدو او المراعي ، زُجَّ فيه الزنجبيل وقليل من دلة القهوة المهيلة ، وتقف معي دقيقة لنترحم على جدتي / ام والدي يرحمها الله ، التي عمرت ١٠٠ عام وهي بكامل قواها العقليه والبدنية ، وهي تمتنع عن خبز الافران ، والجبن وكافة المعلبات ، إبان ظهورها في السبعينات الهجري في ذلك الوقت ، تصده بغضب ونرفزة وتقول ، يرحمها الله باستياء :
- ابعدوا عني هذه ( الخباثات ) ، ناولوني من خبز طاهر ، مطهر ، نظيف ، يجيد عجنه وخبزه ( محمد ابو شعالا ) ، قربوا معجنات مطابخهن وما صنعت الصيجان .. فلم نستبين ، نحن ، النصح منها الا ضحى الغد .

سعود بن مشعان مناحي الدُّخَيِّل
حائل ١٤٤١/٩/٣ هـ
 0  0  358
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر