×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
دخيل مشعان الدخيل

وداعا صديقي المهندس فهد الغربي

" يا أيتها النفس المطمئنة ، إرجعي الى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي ، وادخلي جنتي " صدق الله العظيم

وداعاً يا صديق الجميع
ها هو المهندس الزراعي فهد بن سليمان بخيت الغربي رحمة الله ، الذي كان مثال النفس المطمئنة الراضية المرضية ، يعود الى ربه ، بعد ان نهل موارد العلم ومصادره ، واعطى الوظيفة حقها وواجبه ، مارس المهنة بكل اقتدار وصبر ، عايشناه في الزراعة بحائل نحو اكثر من ثلاثين عاما ، سعدنا بمناقشاته ، وآرائه ، وافاد العمل بمقترحاته في مجالات الزراعة المختلفة .. وقف في باب الوظيفة طالبا ومريدا ،
اليوم نؤبن فهد زميلاً كريماً ، لحق بالرفيق الاعلى ، تغمده الله برحمته ، واسكنه فسيح جناته ، سيظل فهد فقيدنا الخالد بسجاياه ، روح ترفرف عليه من علياء السماء لتهبه عالي الرضى والعرفان ، ولتلهمنا جميعا الصبر والسلوان ..
قرأت النعي فانهمرت دموعي ، وبت قعيد الحزن ، أ حقاً مات فهد ؟! وافترقنا بوحشة الى يوم المعاد ، لن نراه بعد اليوم الا في الرؤيا ، لن ينفع التعازي ، فصبرا يا فؤادي من عذاب نفس بالفراق ، وحنين قلب للتلاقي .
فهد الغربي ؛ خلق كريم شيعته العقيدة فعَفّ عن الصغائر ، وترفع عن الدنايا ، ولكن أيادي المكارم فيه طبع .. في رحاب الخُلْد تتوى ، يا فهد ، مقامك سامق فيها وراق .
نودع ، اليوم ، اخاً عزيزا ، وزميلا كريما ، عرفته في الوظيفة في شبابي الباكر في قسم الاراضي بزراعة حائل ، يوم كانت الزراعة في عنفوان مشاريعها ، فلم يتجاوز نشاطه الوظيفي الى اي نشاط خاص آخر .. فقد اخلص بعمله في وظيفته ، ادى الامانة بكل نزاهة واقتدار ، فكان اسمه في لوحات الشرف ، أُشهدكم انه سعُد بصحبة الوظيفة ، وأحبها حباً جمّا ، يتعلق بها كل التعلق ، بل اعطى للواجب ما يستطيع جهده من عطاء دون تردد ، سواء في اوقات الدوام الرسمي ، او في اللجان المختلفة ، غذّاها بغذاء تذكره له .
تغمده الله برحمته ، وجزاه خير الجزاء عما قدم لامته ووطنه .. رحم الله اخانا الفقيد ، كان كرسيه في الزراعة متميز الوجود ، مرموق المكانة ، ظاهر الجلالة في نزاهته ، وكان جهده الميداني واضح الاثر ، داني الثمر ، خصب الانتاج ، جاهد في سبيل الواجب والاصلاح ، تاريخه كله مثلا في الشجاعة الادبية ، والعدل ، والأنفة عن الدنايا والمطامع .. حياة اقل مفاخرها موضوع كتاب ، وجملة مآثرها تاريخ حقبة ، والرجولة والعظمة صفات يجمعهما ما أُوتي فهد من مناقب مصدرها خلقه ودينه ، ومواهب مصدرها عقله ، كان ، يرحمه الله ، رجلا بالمعنى الرفيع ، الذي يفهمه المهذب من لفظ الرجل ، وكان عظيما بالمعنى الذي يدرك من كلمة " عظيم " .. لو حللت حياته لوجدتها : الصدق ، والصراحة ، والإباء ، والشجاعة .. وهذه هي الرجولة ، وفي الاعمال ؛ العمق ، والشمول ، والإتقان ، والتفرد ، واتخاذ القرار ، وهذه هي العظمة ، وفقد رجل كهذا الرجل حياته تاريخ ، وعمله الوظيفي رسالة ، وخلقه قدوة ، وكفايته ثروة ، خسارة انسانية ، ومصاب امة ، لا مصاب اسرة ، وفجيعة منفعة للناس ، لا فجيعة عاطفة .. كان لا ينافق ولا يمالق ، ولا يداهي ولا يداجي ، ولا يقول الا ما يصح في معتقده ، ولا يعتقد الا ما يصح في رأيه ..
ثار يوما وصب جام غضبه على مراجع يملك اقطاعا زراعيا كبيرا ، رغب ان يمنحه منه ارضا زراعية كمشروع ، فألجمه يرحمه الله بالكلمة المسكتة :
- أشغلتنا ياهذا ، واشغلت دوائر الدولة ، كل يوم لك شأن خصومة مع جماعة وجيران واصدقاء ، فلم تصطفيني ؟ هلا توزعها على جماعتك المحرومين ، من هم احوج مني !
.. يرحمه الله ، عرفته ، فعرفت فيه الوقار الجم ، والسماحة العذبة ، والرضى ، ونعمت بإنسه ومجلسه ، وفهمت من نظرته الخاطفة ، وبسمته الناطقة ، واستفدت من خبرته وتجربته ، قلّ ان رأيت موظفا في حب استطلاعه يسأل ، ويستفسر ، ويحقق ويدقق ، يقبل على القرى والضواحي حيث الحقول ، فكان دائما المبكر في الحضور والسبّاق الى الهدف .. لا يقنع بان يشاهد ويلاحظ ، بل يأبى الا ان يسجل ويدوّن ، وقد خلّف لعمله صحائف حافلة بالتحليل والصور والحلول لاعمال وقضايا مستعصية ، فيها تفصيل دقيق ، واستيعاب تام ، ورسم كامل للوحات المخططات تُريك المنظر ، وكأنك تعيش فيه
الفقيد عرفته زميلا يضطلع بالواجب ، ويؤدي ما أوتمن ، يُعِد العدة ، ويتأهب لكل طاريء ، زاملناه فما اذكر انني رأيته يوما متبرما ، او ساخطا على احد ، او عابسا او غاضبا غضبا يخرجه من هدوئه ووقاره .. حقا ان فجيعتنا فيه أليمة ، وان خسارتنا فيه فادحة ، واذا كان قد قضى في الزراعة ثلاثة عقود او تزيد ، فقد كان فيها مثال الحيوية والجد والاخلاص .. للوطن ومن اجل الوطن والصالح العام .
في كل دورة واجتماع ، يقترح ويُلِح في تطوير التنمية الزراعية ، ويصر عليه ، يعمل في كل جِدّ وعزم على تحقيق امنيته ، يسعى الى تذليل كل الصعاب امام مزارع مراجع ، يتخطى الروتين ، فاجأته المنية على غير انتظار ، فذهب عنا ، وخلّف في النفوس اشد الحزن واعمق الأسى ، ولكن هذا قضاء الله وقدره ، ولا راد لقضاء الله ، ولا معقب لحكمه ، ليس لنا حيال الموت من حيلة الا الصبر والايمان والاستسلام لقضاء الله وقدره ، اننا نؤمن ان كل حي الى فناء ، وان كل نفس ذائقة الموت ، وان لكل انسان أجلا محتوما ، وقدرا مقدورا ، فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، رحمه الله رحمة واسعة ، وجزاه عما قدم خير ما يجزى به عباده المخلصين الصالحين .

دخيل مشعان الدخيل
حائل ١٤٤١/٧/٢٩ هـ
 0  0  321
التعليقات